facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




أَنا في منأىٰ ..


عماد عواودة
30-08-2026 12:31 AM

ثمة مواقف صغيرة تمرّ بنا ، لا نلتفت إليها كثيراً ، ثم تعود إلينا ذات مساء فنكتشف أنها كانت تقول شيئاً عميقاً عن طبيعة الإنسان .

أكتب أحياناً عن سلوكٍ أراه في الناس ، وأحاول أن أضع إصبعي على موضع الخلل ، لا رغبةً في التشهير بأحد ، وإنما لأن بعض الصمت يصبح مشاركةً في الخطأ ؛ فأكتب عموداً من التقريع ، وأظن أن الرسالة قد بلغت مَن أعنيه .

ثم تأتي المفاجأة ؛ يقرأ النص من كنت أظنه المقصود ، فيبعث إليّ مؤيداً : « صدقت ! الناس بحاجة إلى مثل هذا التقريع ... لقد أصبح الناس يفعلون كذا وكذا » ؛ فأعود إلى النص ، ثم إلى اسمه ، ثم إلى السلوك الذي كتبته عنه ، وأقول في نفسي : هل قرأ الرجل المقال حقّاً؟ ؛ أم قرأه كما نقرأ المرآة حين لا نريد أن نرى وجوهنا فيها ؟ ..

هنا تبدأ الحكاية الأكثر غرابة ؛ فالإنسان بارعٌ في رؤية العيب حين يسكن الآخرين ، وأقل براعةً حين يطرق العيب بابه ؛ فإذا تحدّثتَ عن المتكبر ، استحضر لك أسماء المتكبرين ؛ وإذا انتقدتَ الانتهازي ، حدّثك عن الانتهازيين ؛ وإذا تحدثتَ عن النفاق ، هزّ رأسه أسفاً على حال الناس ؛ وكأن الكلام لا يمكن أن يجد طريقه إليه.

لعل الأمر ليس جهلاً بالنفس دائماً ؛ فقد يكون الإنسان يعرف ، ولكنه لا يريد أن يعرف ؛ فالاعتراف بأن الكلام يعنينا أصعب من الاتفاق معه ؛ ومن الأسهل أن نقول : « صدقتَ » ، ثم نضع أنفسنا في مقاعد المتفرجين ، بدل أن نسأل السؤال الذي لا نحب سماعه : ماذا لو كنتُ واحداً ممن تتحدث عنهم؟ ..

لكنني ، وأنا أكتب هذا الكلام ، لا أستطيع أن أضع نفسي خارج المشهد ؛ فكم مرة قرأتُ نقداً لسلوكٍ ما ، وسارعتُ في ذهني إلى البحث عن صاحبه في الآخرين؟ ، وكم مرة رأيتُ العيب واضحاً في شخصٍ أمامي ، بينما احتجتُ إلى عينٍ أكثر صدقاً لأراه في نفسي؟ ..

لربما ليست المشكلة أن الناس لا يفهمون الرسائل ، وإنما أننا جميعاً نملك قدرةً عجيبة على إخراج أنفسنا من دائرة الاتهام .

لهذا ، كلما كتبتُ عن عيبٍ في الناس ، أحاول أن أترك في آخر الصفحة كرسيّاً فارغاً أجلس عليه أنا ؛ فربما كان النص الذي ظننته موجهاً إلى غيري ، قد كُتب لي دون أن أدري .

والسؤال الذي يبقى : حين تقرأ كلماتٍ تصف سلوكاً تعرف أنك رأيته في نفسك يوماً .. هل تبحث أولاً عن اسمٍ آخر ، أم تتوقف قليلاً وتسأل نفسك : تُرى ، أكنتُ أنا المقصود؟ ..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :