ثمة مواقف صغيرة تمرّ بنا ، لا نلتفت إليها كثيراً ، ثم تعود إلينا ذات مساء فنكتشف أنها كانت تقول شيئاً عميقاً عن طبيعة الإنسان .
أكتب أحياناً عن سلوكٍ أراه في الناس ، وأحاول أن أضع إصبعي على موضع الخلل ، لا رغبةً في التشهير بأحد ، وإنما لأن بعض الصمت يصبح مشاركةً في الخطأ ؛ فأكتب عموداً من التقريع ، وأظن أن الرسالة قد بلغت مَن أعنيه .
ثم تأتي المفاجأة ؛ يقرأ النص من كنت أظنه المقصود ، فيبعث إليّ مؤيداً : « صدقت ! الناس بحاجة إلى مثل هذا التقريع ... لقد أصبح الناس يفعلون كذا وكذا » ؛ فأعود إلى النص ، ثم إلى اسمه ، ثم إلى السلوك الذي كتبته عنه ، وأقول في نفسي : هل قرأ الرجل المقال حقّاً؟ ؛ أم قرأه كما نقرأ المرآة حين لا نريد أن نرى وجوهنا فيها ؟ ..
هنا تبدأ الحكاية الأكثر غرابة ؛ فالإنسان بارعٌ في رؤية العيب حين يسكن الآخرين ، وأقل براعةً حين يطرق العيب بابه ؛ فإذا تحدّثتَ عن المتكبر ، استحضر لك أسماء المتكبرين ؛ وإذا انتقدتَ الانتهازي ، حدّثك عن الانتهازيين ؛ وإذا تحدثتَ عن النفاق ، هزّ رأسه أسفاً على حال الناس ؛ وكأن الكلام لا يمكن أن يجد طريقه إليه.
لعل الأمر ليس جهلاً بالنفس دائماً ؛ فقد يكون الإنسان يعرف ، ولكنه لا يريد أن يعرف ؛ فالاعتراف بأن الكلام يعنينا أصعب من الاتفاق معه ؛ ومن الأسهل أن نقول : « صدقتَ » ، ثم نضع أنفسنا في مقاعد المتفرجين ، بدل أن نسأل السؤال الذي لا نحب سماعه : ماذا لو كنتُ واحداً ممن تتحدث عنهم؟ ..
لكنني ، وأنا أكتب هذا الكلام ، لا أستطيع أن أضع نفسي خارج المشهد ؛ فكم مرة قرأتُ نقداً لسلوكٍ ما ، وسارعتُ في ذهني إلى البحث عن صاحبه في الآخرين؟ ، وكم مرة رأيتُ العيب واضحاً في شخصٍ أمامي ، بينما احتجتُ إلى عينٍ أكثر صدقاً لأراه في نفسي؟ ..
لربما ليست المشكلة أن الناس لا يفهمون الرسائل ، وإنما أننا جميعاً نملك قدرةً عجيبة على إخراج أنفسنا من دائرة الاتهام .
لهذا ، كلما كتبتُ عن عيبٍ في الناس ، أحاول أن أترك في آخر الصفحة كرسيّاً فارغاً أجلس عليه أنا ؛ فربما كان النص الذي ظننته موجهاً إلى غيري ، قد كُتب لي دون أن أدري .
والسؤال الذي يبقى : حين تقرأ كلماتٍ تصف سلوكاً تعرف أنك رأيته في نفسك يوماً .. هل تبحث أولاً عن اسمٍ آخر ، أم تتوقف قليلاً وتسأل نفسك : تُرى ، أكنتُ أنا المقصود؟ ..