هنا الملك .. حين تكون الإجابة في الإنجاز لا في السؤال
بهاء الدين المعايطة
30-08-2026 08:51 AM
حين تكتب الأقلام الحاقدة زيفها، وحين تصبح بعض الأقلام مأجورة، فلا تتوقع منها أن تكتب عن الإنجاز بقدر ما تكتب عن التشويه، ولا أن تنصف الحقيقة بقدر ما تبحث عن ثغرة تخدم بها أجندتها، فالإنجاز لا يخشاه إلا من عجز عن مجاراته، والحقيقة تبقى أقوى من كل قلم حاول طمسها.
التاريخ اليوم يعيدنا إلى الوراء، يعيدنا إلى سنوات مضت بين ثورات استطاعت أن تعيد ترتيب الدول، وتغير شكل المنطقة، وتفتح أبوابا جديدة أمام شعوب كانت تبحث عن التغيير، سنوات عاصفة مرت بها المنطقة العربية، حملت معها الكثير من الآمال والتحديات، وكشفت في الوقت ذاته أن الدول لا تقاس فقط بما تواجهه من أزمات، بل بقدرتها على تجاوزها والحفاظ على استقرارها.
وفي خضم تلك التحولات، كان الأردن أمام اختبار تاريخي، استطاع أن يتجاوز مرحلة عصيبة من تاريخ المنطقة، وأن يمضي قدما في مسار الإصلاح والتحديث، محافظا على أمنه واستقراره، ومواصلا بناء مؤسساته ومشاريعه الوطنية.
نتحدث عن ملك استطاع أن ينتشل الأردن من قلب العاصفة، وأن يحافظ على تماسك دولته في واحدة من أكثر المراحل اضطرابا في تاريخ المنطقة، لم يواجه غضب الشارع بالرصاص، ولم يجعل من دماء أبناء شعبه وسيلة لحماية النظام، ولم يحول الدولة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات فحسب، بل اختار طريقا أكثر صعوبة بأن يحمي وطن دون أن يكسر شعبه، وأن يستمع دون أن يتنازل عن هيبة الدولة، وأن يدفع باتجاه الإصلاح دون أن يسمح للفوضى بأن تبتلع الوطن.
لم يكن النظام في الأردن يوما قائما على دماء الأبرياء، بل على شرعية دستورية وتاريخية، وعلى مفهوم للدولة يجعل أمن المواطن واستقرار الوطن جزءا من معادلة الحكم، لا ضحية لها.
اليوم، حين يغادر جلالة الملك أرض الوطن، ندرك جميعا حجم المسؤولية التي يحملها، وحجم الجهد الذي يبذله وهو يجوب العالم بحثا عن الفرص، ويفتح أبواب التعاون والاستثمار، دفاعا عن مصالح الأردن ومستقبله، وندرك حجم التضحيات التي قدمها لوطن لا يملك وفرة الموارد الاقتصادية، لكنه امتلك بقيادته إرادة الصمود، وحفظ كرامة أبنائه، وظل حاضنا لهم في أصعب الظروف.
هنا الملك، حين تتحول محدودية الموارد إلى مساحة للعمل، وحين تصبح الأزمات دافعا للإنجاز، وحين تكون مسؤولية الوطن أكبر من أن تختصر في سؤال أين الملك؟ لأن الإجابة لا تحتاج إلى سؤال، بل ترى في كل خطوة يخطوها من أجل الأردن.
لكن هنا الملك، حين تراه بين أبناء شعبه، يشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويقترب منهم بإنسانيته قبل صفته، فيستمع إلى الصغير والكبير، ويبادلهم مشاعرهم نفسها، هنا الملك، حين ترى المحافظات تحتفل فرحا بزيارته، وتفتح البيوت أبوابها لقائد لم تنقطع صلته بأبنائه يوما، ولم تجعل المسافات بين القصر والمواطن حاجزا يحول دون اللقاء، هنا الملك، حين تصبح الزيارة مشهدا يتجاوز البروتوكول، وتتحول اللحظة إلى تعبير صادق عن علاقة وطنية تراكمت عبر السنين، علاقة لم تبنها المراسم، بل صنعتها المواقف، ورسختها الأيام، وحفظها وجدان الأردنيين.
هنا الملك، حين نرى بعض الأصوات المعارضة تنعت مؤسسات الدولة وتهاجمها، ثم نتذكر أن الدولة لم تتخل يوما عن أحد، وأن الاختلاف في الرأي لم يكن يوما سببا للقتل أو الانتقام، ولم نر معارضا يُقتل لمجرد مواقفه السياسية أو بسبب اختلافه مع الدولة، التي لم تجعل من الاختلاف خصومة، ولا من المعارضة خيانة، بل أبقت الوطن مظلة تتسع للجميع، مهما تباينت الآراء والمواقف.
رسالة الهاشميين لا تزال تبنى على الإنجاز، ولا تزال توثق مسيرة النهضة وترسخ مكانة الأردن في مختلف المحافل، بنهج من حمل عهد الوفاء، وشاد مسيرة الوطن بكفاءة أردنية عالية، وبأيد سارت على خطى الحسين الباني، طيب الله ثراه، ويواصل نهج هذه الرسالة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، وولي عهده الأمين سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، الذي منح الشباب مكانة بارزة، وسمو الأمير فيصل بن الحسين، القريب الذي حمل شعلة العطاء بروح الإنسانية، وسمو الأمير الحسن بن طلال، الأب الذي لم يبخل علينا يوما بعلمه، إلى جانب أصحاب السمو الأمراء والأميرات، الذين واصلوا مسيرة العطاء والوفاء للأردن وأبنائه.
هنا الملك... وهنا الأردن، وهنا حكاية وطن يمضي بثبات، وقيادة تحمل مسؤولية المستقبل، وشعب يحفظ العهد والوفاء، حفظ الله الأردن وقيادته وشعبه، وأدام عليه الأمن والاستقرار.