أُسدل الستار عن نتائج الثانوية العامة في الأردن، وبدأ الطلبة بالتقدم إلى الجامعات للحصول على مقاعدهم الدراسية، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة يفترض أن تقودهم في نهايتها إلى سوق العمل وبناء مستقبلهم المهني.
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان الحصول على درجة البكالوريوس أو الدبلوم المتوسط يعني في الغالب فرصة عمل شبه مؤكدة، إن لم تكن داخل الوطن ففي إحدى الدول العربية، ودول الخليج على وجه الخصوص. وكانت مخرجات التعليم في ذلك الوقت أكثر انسجاماً مع طبيعة الوظائف والمهارات التي يحتاجها سوق العمل.
لكن هذه المعادلة تغيرت خلال العقود الأخيرة. فسوق العمل تطور وأصبح أكثر تعقيداً وتنافسية، ولم تعد الشهادة الجامعية وحدها كافية للحصول على فرصة عمل. وأصبحت المهارات التقنية والرقمية، وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، وإتقان اللغات، والقدرة على التواصل وحل المشكلات والعمل ضمن الفريق، عناصر أساسية تميز خريجاً عن آخر، حتى وإن حملا الشهادة والتخصص نفسيهما.
ومن هنا، فإن على أبنائنا الطلبة ألا ينظروا إلى سنوات الجامعة باعتبارها رحلة للحصول على الشهادة فقط، بل مرحلة لبناء الشخصية المهنية. فالطالب الذي ينتظر التخرج ليبدأ التفكير في سوق العمل يكون قد تأخر كثيراً؛ إذ يجب أن يبدأ منذ سنواته الجامعية الأولى بالتدريب واكتساب الخبرة والانخراط في الأنشطة اللامنهجية والتطوع والتعرف إلى متطلبات القطاع الذي يرغب في العمل فيه.
وفي المقابل، تتحمل الجامعات مسؤولية تتجاوز منح الشهادات، من خلال تقليص الفجوة بين قاعات الدراسة وسوق العمل، وبناء شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، وتوفير التدريب والتوجيه المهني للطلبة. كما أن على القطاع الخاص أن يكون شريكاً في تحديد المهارات المطلوبة والمساهمة في تدريب الشباب وتأهيلهم.
لقد تغير مفهوم التأهيل للعمل؛ فالشهادة تفتح الباب، لكنها لم تعد تضمن الدخول منه. والمنافسة اليوم ستكون لمن يستطيع أن يجمع بين المعرفة والمهارة والخبرة والقدرة على التطور المستمر. لذلك فإن رسالتي لأبنائنا المقبلين على الجامعات: اختاروا تخصصاتكم بعين على المستقبل، ولا تنتظروا يوم التخرج حتى تسألوا: أين العمل؟ بل ابدأوا منذ اليوم الأول بالسؤال: ماذا يحتاج سوق العمل، وكيف أُعد نفسي له؟