المقاطعة الواعية .. حين يحمي المواطن جيبه
كامل الروضان
17-10-2026 06:44 PM
ماذا يفعل المواطن عندما ترتفع أسعار بعض المواد الغذائية بصورة ترهق ميزانية أسرته؟ هل يواصل شراءها مهما بلغ ثمنها، أم يعيد ترتيب أولوياته ويبحث عن بدائل إلى أن تستقر الأسعار؟ هنا تبرز أهمية ثقافة المقاطعة الواعية، لا بوصفها خصومة مع التاجر، بل وسيلة سلمية لحماية المستهلك وإعادة التوازن إلى السوق.
لا نتحدث عن جميع التجار، فهناك من يتحمل كلفًا حقيقية في الإنتاج والنقل والتخزين، ومن حقه تحقيق ربح عادل. لكن عندما ترتفع أسعار بعض السلع الغذائية بصورة مبالغ فيها، يصبح من حق المواطن أن يمتنع مؤقتًا عن شرائها، خصوصًا إذا كانت لديه بدائل مناسبة، بدلًا من أن يتحمل وحده أعباء ارتفاعها.
ولعل مائدة الجمعة الأردنية تقدم مثالًا واضحًا. فالمنسف حاضر في بيوت كثيرة، لكن إذا ارتفعت أسعار اللحوم إلى مستويات ترهق الأسر، فلماذا لا يكون الرشوف، أكلتنا الأردنية الأصيلة، بديلًا مؤقتًا يحافظ على تقاليد المائدة ويخفف النفقات؟ ليس المطلوب التخلي عن المنسف، بل أن ندرك أن محبتنا لأكلة شعبية لا تعني أن ندفع أي ثمن للحصول عليها.
وينطبق الأمر نفسه على الخضار والسلطة. إذا ارتفع سعر البندورة أو الخيار أو البصل أو الليمون بصورة مبالغ فيها، يمكن الاستعاضة عن أحد المكونات ببديل متاح إلى أن تستقر الأسعار.
وقد أثبتت حملات مقاطعة المواد الغذائية والمتاجر في دول مختلفة من العالم أن المستهلكين يستطيعون التأثير في حركة السوق عندما يتخذون موقفًا جماعيًا واعيًا. فالتاجر يحتاج إلى المشتري، والمنتج يحتاج إلى سوق يصرف فيه إنتاجه، وتراجع الطلب على سلعة ارتفع سعرها بصورة مبالغ فيها قد يدفع إلى مراجعة السعر. ومع ذلك، فإن نجاح المقاطعة في خفض الأسعار ليس مضمونًا، ويتوقف على ظروف السوق وتوافر البدائل ومدى مشاركة المستهلكين.
المطلوب ليس الإضرار بالتجار أو المزارعين، ولا تعميم الاتهام بالمغالاة، بل ترسيخ سلوك استهلاكي متوازن، يراعي حق المنتج في الربح العادل وحق المواطن في شراء احتياجاته بأسعار معقولة. كما ينبغي إعطاء السوق المحلي الأولوية في تلبية احتياجاته الغذائية قبل التصدير للخارج، بما يحقق التوازن بين مصالح المنتجين والمستهلكين.
عندما يرتفع سعر سلعة غذائية بصورة مبالغ فيها، قد يكون البديل المؤقت والامتناع الواعي عن شرائها رسالة أقوى من الشكوى؛ فحماية جيب المواطن تبدأ أحيانًا من قرار يتخذه بنفسه.