المواجهة التي تتعرض لها جارتنا السعودية تطرح سؤالاً إستراتيجياً مهماً: هل تستطيع الدول مهما امتلكت من قدرات مالية وعسكرية أن تستعيد أمنها بالقوة وحدها؟ أم أن الحروب التي تبدأ بهدف (الرّدع) قد تتحول إلى (فخ) يستنزف الموارد ويهدد طموحات التنمية فيها؟
تتمثل الحالة (السعودية) في أن الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة عليها لا تحتاج إلى تحقيق انتصار عسكري تقليدي على جيش نظامي سعودي معزز بقدرات عسكرية متطورة؛ لأنها وبكل بساطة لن تستطيع ذلك، بل تحاول (فرض) كلفة باهظة على السعودية؛ إذ أن استمرار التهديد سيربك المنشآت الحيوية ويرفع تكاليف التأمين والنقل، وقد يزعزع ثقة المستثمرين. وهنا تكمن خطورة المواجهة، فالمطلوب ليس فقط حماية المنشآت، بل حماية البيئة الاقتصادية التي تقوم عليها رؤية السعودية 2030.
ولعل أخطر السيناريوهات المطروحة هو الإعتقاد بأن تكثيف القصف أو توسيع العمليات العسكرية من قبل السعودية سيؤدي بالضرورة إلى إنهاء التهديد الحوثي. فالتفوق العسكري لا يضمن حسم الصراع سياسياً، كما أن توسيع المواجهة مع إيران قد يفتح أبواباً لحرب إقليمية تمتد إلى منشآت الطاقة والممرات البحرية، وستتضاعف كلفة الصراع على دول المنطقة. لذلك فإن (الرّدع) ضروري، لكن تحويله إلى (حرب مفتوحة) قد يجعل كلفة المواجهة أكبر من نتائجها.
وقد تراهن (إيران) على إطالة أمد المواجهة ورفع كلفة حماية المصالح الأميركية وحلفائها، لتضع (أمريكا) أمام خيارين صعبين: مواصلة حرب مكلفة أو خفض التصعيد بما قد يُفسَّر تراجعاً عن أهدافها. وفي الحالتين ستتحمل المنطقة جانباً كبيراً من التداعيات الأمنية والاقتصادية.
وفي المقابل يبرز السؤال الآخر هل ستستفيد إسرائيل من هذا التصعيد؟ فمن الممكن أن يخدم مصالح إسرائيل إنشغال إيران والولايات المتحدة في مواجهة طويلة، من خلال استنزاف خصومها وتعميق الإنقسامات الإقليمية. كما أن تزامن التصعيد مع (الانتخابات الإسرائيلية) قد يعيد الأمن والتهديدات الخارجية إلى صدارة المنافسة السياسية، ويمنح (نتنياهو) فرصة لتقديم نفسه باعتباره قادراً على مواجهة الأخطار. مع أنني أرى أن اتساع الحرب قد يعرّض أمن إسرائيل ومصالحها لمخاطر كبيرة.
وعندما نربط ذلك بالإقتصاد السعودي، ندرك أن استمرار التهديدات قد ينعكس على الإستثمار والسياحة وحركة الطيران ومشاريع التنويع الإقتصادي. وأتمنى للسعودية تحقيق طموحاتها التنموية في ظل هذه المخاطر الأمنية، حيث يبدو بأن التحدي الحقيقي أمام (السعودية) هو الجمع بين الرّدع والدّفاع والدّبلوماسية، والعمل على تسوية سياسية تمنع تحول المواجهة إلى استنزاف طويل الأمد.
خلاصة القول، إن الحرب لا تُقاس نتائجها بحجم الضربات، بل بقدرة الدول على حماية أمنها ومصالحها ومنع تكرار التهديد. وقد تحقق بعض الأطراف مكاسب (مرحلية) من استنزاف خصومها، لكن استمرار الصراع قد يضع المنطقة بأسرها أمام خسائر يصعب احتواؤها، وخصوصاً في حال إتساع نطاق الحرب، مثل: دخول (مصر) وغيرها مثلا لهذه الحرب. فهل ستكون (الحكمة) في توسيع الحرب، أم في امتلاك إستراتيجية تنهيها وتحمي (الأمن العربي) من أن يصبح رهينة لحسابات إقليمية ودولية متشابكة؟