هل يمكن أن تفشل العقوبات الاقتصادية الجديدة على إيران؟!
أ.د أحمد بطَّاح
01-09-2026 04:27 PM
يبدو أنّ الرئيس الأمريكي ترامب أصبح على يقين بأنّ مزيداً من الهجمات العسكرية على إيران لن تحقّق له أهداف الحرب (تعطيل البرنامج النووي الإيراني، تقليص البرنامج الصاروخي الإيراني، تقويض النفوذ الإيراني في الإقليم)، ولذا فقد لجأ إلى ما يسميه (الخنق الاقتصادي) لإيران، والجديد في هذا الموضوع هو أنّ الولايات المتحدة لن تكتفي "بالعقوبات القصوى" التي كانت تفرضها على إيران وهي بالآلاف، بل تريد توسيعها بحيث تجبر كل الدول الأخرى ذات التعاملات الاقتصادية مع إيران على وقف تعاملاتها معها. إنّ من المؤكد أن العقوبات الاقتصادية الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة سوف تؤثر على الأوضاع الاقتصادية في إيران وبخاصة أنها (أي إيران) خرجت من حربٍ آذت بنيتها التحتية بشكل واضح، فضلاً عن أنّ الشعب الإيراني عانى ما عاناه من العقوبات الاقتصادية السابقة ولكنّ السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه في هذا السياق هو: هل تستطيع الولايات المتحدة تحقيق أهدافها بالحصار الاقتصادي غير المسبوق، بعد أن عجزت عن تحقيق تلك الأهداف بالمواجهة العسكرية المباشرة؟
إنّ من المتوقع أن تفشل الإدارة الأمريكية وعلى رأسها ترامب في تحقيق ذلك بالنظر إلى الاعتبارات الآتية:
أولاً: أثبتت التجارب التاريخية ذات العلاقة بفرض الحصار الاقتصادي على دول كثيرة فشل هذا الأسلوب، ولعلّ "كوبا" مثال ساطع على ذلك، فهي تعيش منذ عام 1958 تحت وطأة الحصار الأمريكي الشامل، ولكنّها مازالت صامدة رغم أنها جزيرة صغيرة إلى جانب الولايات المتحدة، وتكاد لا تملك من مقومات الحياة الكثير (نفط، زراعة، مياه...)، ولعلّ العراق مثال آخر حيث فشل الحصار الاقتصادي في إسقاط نظامه قبل الغزو الأمريكي في عام 2003.
ثانياً: إنّ إيران تعيش تحت وطأة العقوبات الاقتصادية الأمريكية منذ عام 1979، وقد رفعها ترامب في ولايته الأولى (2016 – 2020) إلى ما أسماه "العقوبات القصوى"، ولكن ذلك لم يسقط نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بل جعلها تتكيف مع الأوضاع، وتطور الآليات اللازمة لتحاشي أضرار الحصار وانعكاساته على أهميتها، ولنتذكر دائماً أن العقوبات تفرز دائماً وتلقائياً "سبل الالتفاف على العقوبات".
ثالثاً: إنّ العقوبات الجديدة (التي صنفت إيران بالمنبوذ الاقتصادي) التي فرضها ترامب غير قانونية، فهي لم تصدر عن الأمم المتحدة أو أذرعها المختلفة (كمجلس الأمن الدولي، مثلاً)، ولذا فإنّ دولاً كثيرة (وبخاصة الأقطاب الجدد في النظام الدولي مثل الصين، وروسيا، والهند وغيرها) لن تلتزم بهذه العقوبات ليس فقط لعدم قانونيتها، بل لأنها تضر بمصالحها فعلياً، وقد بادرت الصين فوراً إلى رفض هذه العقوبات الاقتصادية "الأحادية"، وإذا تذكرنا أن الصين هي القوة العظمى ذات التعاملات المهمة مع إيران أدركنا أهمية هذا الرفض.
رابعاً: أنّ إيران دولة مترامية الأطراف، تقع على ثلاثة منافذ مائية (الخليج العربي، خليج عُمان، بحر قزوين)، ولها حدود مع سبع دول (العراق، تركيا، أرمينيا، أذربيجان، تركمنستان، أفغانستان، باكستان)، ولذا فإنّها تستطيع ان تعتمد على أكثر من منفذ لها لإنجاز تعاملاتها المهمة، وإذا أخذنا بالاعتبار أن بعض هذه الدول (أذربيجان، أفغانستان...) ليست على علاقة ودية مع الولايات المتحدة، أدركنا لماذا لن ينجح "الخنق الاقتصادي" الذي يطمح إليه ترامب.
خامساً: أنّ إيران بلد ذو مساحة كبيرة (1,600,000 كم2) وغني بالطاقة (تملك ثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي، ورابع أكبر احتياطي من النفط على مستوى العالم) والأراضي الزراعية، ولذا فلن يكون مستغرباً أن تعتمد على نفسها ذاتياً إلى درجة كبيرة، وإلى أن تتعب الولايات المتحدة من حصارها، وتعي أن أسلوبها الاقتصادي هذا غير ناجح ولن يعود عليها بالفوائد المرجوّة.
سادساً: أنّ "الخنق الاقتصادي" الذي يخطط له ترامب ضد إيران لن يحل مشكلة حلفائه في الخليج العربي الذين ورطهم في حرب لم يريدوها أصلاً، ولكنهم ظلوا يعانون منها (لا يستطيعون تصدير النفط والغاز فضلاً عن تعرضهم لضربات إيرانية متكررة)، وبالإضافة إلى ما سبق فإنّ هذه الوضعية الجديدة سوف تعظّم فرص اصطدامهم بإيران التي لم تستطع الولايات المتحدة حمايتهم منها فعلياً.
سابعاً: أنّ أسلوب "الخنق الاقتصادي" الذي يريد ترامب تطبيقه على إيران لن يحل مشكلة العالم الذي يئن تحت وطأة إغلاق مضيق هرمز (حيث يمر 20% من صادرات الطاقة العالمية)، فهل يريد ترامب أن يظل العالم يعاني من إغلاق المضيق حتى يحدث ما ليس وارداً وهو استسلام إيران؟ أو حتى تُجرى الانتخابات النصفية الأمريكية بعد ثلاثة أشهر، ويطمئن إلى نتائجها في صالح حزبه الجمهوري؟
إنّ الحصار الاقتصادي بأساليبه المختلفة مُجرَّب ويكاد الخبراء يتفقون على عقمه في تحقيق نتائج سياسية حاسمة، إنّ المُجرّب لا يُجرّب، ولا داعي لاختراع العجلة من جديد، ولعلّ الأولى أن يحتكم ترامب وإدارته إلى العقل ويجترحوا حلولاً منطقية تراعي مصالح جميع الأطراف تنهي هذه الحرب التي أشعلها ضد العالم بتحريض من صديقه المأزوم نتنياهو.
وختاماً، فإنّ هذا التحليل لا يعني بحال من الأحوال الدفاع عن النظام الطائفي الإيراني بتوجهاته وممارساته على حساب الدول العربية ومنها الأردن، ولكنه يعني بالتحديد الإجابة بموضوعية عن إمكانية نجاح أسلوب "الخنق الاقتصادي" الذي سوف تطبقه الولايات المتحدة ضد إيران من عدمها.