الانتخابات البلدية بين المقاطعة والصوت الحر
عبدالله الناصر الخضير
02-09-2026 09:45 AM
مع اقتراب الحديث عن الانتخابات البلدية، واحتمال إجرائها خلال العام القادم، بدأت الساحة المحلية تشهد حراكاً مبكراً، وبدأت أسماء تعلن نيتها الترشح البلديات أو عضوية مجالسها، وكأن السباق الانتخابي قد بدأ قبل أن تبدأ صناديق الاقتراع بوقت طويل.
إنَّ الانتخابات البلدية ليست مجرد مناسبة انتخابية أخرى نمارس فيها حقنا الدستوري، بل هي استحقاق يمس حياتنا اليومية بصورة مباشرة، فالبلدية هي الشارع الذي نسير فيه، والنظافة، والإنارة، والتنظيم، والأسواق، والحدائق، والمشاريع والخدمات التي تمس تفاصيل حياة المواطن.
فالناخب في هذه الانتخابات لا يملك صوتاً واحداً فقط، وانما عليه أن يكون أكثر وعياً في اختياراته؛ لأن صوته لا يحدد اسم الرئيس فحسب، بل يشارك أيضاً في تشكيل المجلس البلدي الذي سيتولى رسم السياسات المحلية ومتابعة أعمال البلدية.
ومع بداية الإعلان عن الترشيحات، سنجد أنفسنا أمام أنواع مختلفة من المرشحين: فهناك من يدخل الانتخابات عن قناعة حقيقية بأنه يمتلك الخبرة والكفاءة والقدرة على إدارة البلدية، ويعرف حجم المسؤولية التي تنتظره، ويدرك أن البلدية ليست وجاهة اجتماعية ولا لقباً يضاف إلى الاسم وهم للأسف قلة وهناك من يدخل السباق لأنه يعتقد أن لديه قاعدة شعبية كبيرة وعائلة واسعة وأصدقاء ومؤيدين قادرين على إيصال صوته إلى الصندوق،..
وهناك، للأسف، من يدخل الانتخابات لا لأنه يملك الخبرة ولا لأنه يملك مشروعاً ولا حتى قاعدة انتخابية حقيقية، وإنما لأن مجرد تداول اسمه على وسائل التواصل الاجتماعي يمنحه شعوراً بأنه أصبح شخصية عامة، وهنا يجب أن نتوقف قليلاً فالانتخابات ليست مسابقة لشهرة الأسماء، وليست استفتاءً على حجم العائلة، وليست مناسبة لتوزيع المجاملات.
إنَّ المجلس البلدي يحتاج إلى عقل يعرف كيف يخطط، وشخص يعرف كيف يراقب، وآخر يفهم في المال العام، وآخر يستطيع أن يقرأ مشروعاً أو موازنة أو عطاء، والأهم من ذلك كله أن يمتلك أعضاء المجلس القدرة على العمل كفريق واحد بعيداً عن المصالح الشخصية والحسابات الضيقة.
والمجلس البلدي قد يكون أهم من مجلس النواب بالنسبة للمواطن وقد يستغرب البعض هذه العبارة، لكنها ليست بعيدة عن الواقع، فالنائب يمثل الوطن تحت قبة البرلمان، بينما المجلس البلدي يتعامل مع تفاصيل حياة المواطن في منطقته بصورة يومية ومباشرة، والنائب يشرّع ويراقب على المستوى الوطني، أما المجلس البلدي فيتعامل مع قضايا الشوارع والتنظيم والخدمات والمشاريع المحلية والاستثمار داخل البلدية وغيرها من الملفات التي يلمسها المواطن بصورة مباشرة، ولهذا فإن اختيار رئيس البلدية وأعضاء المجلس البلدي ليس شأناً ثانوياً، بل هو قرار يتعلق بمستقبل المنطقة لسنوات.
كلنا يعلم أن معظم بلدياتنا مثقلة بالتحديات والديون ولا يمكن أن نتحدث عن الانتخابات البلدية من دون أن نتحدث عن واقع البلديات فالعديد من البلديات تواجه تحديات مالية وإدارية كبيرة، وبعضها يعاني من المديونية وتراكم الالتزامات وضعف الإيرادات وارتفاع كلفة الخدمات.
وفي ظل هذا الواقع، فإن من يفكر بالترشح يجب أن يسأل نفسه قبل أن يسأل الناس عن أصواتهم: ماذا سأفعل إذا فزت؟ هل أملك برنامجاً واقعياً لزيادة الإيرادات؟ هل أمتلك رؤية للتعامل مع الديون؟ هل أعرف كيف يمكن تحسين الخدمات دون تحميل المواطن أعباء جديدة؟ وهل أستطيع أن أمارس دوري الرقابي بعيداً عن المحسوبية والمجاملة؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن تُطرح، وليس فقط: كم صوتاً أستطيع أن أحصل؟
أما الناخب، فربما يكون هو الطرف الأكثر حيرة في هذه الانتخابات؛ فهو من جهة يسمع دعوات للمقاطعة، ومن جهة أخرى يجد نفسه أمام ابن عمه أو شقيقه أو صديقه أو جاره الذي يطلب منه الصوت... خاصة بعد الخذلان الذي أصاب الكثير منهم من تجربة الانتخابات النيابية التي افرزت مجلساً ضعيفاً فاقد لثقة المواطن... وهنا تبدأ المعادلة الصعبة: هل أعطي صوتي لمن يستحق، أم لمن تربطني به علاقة.
وأما عن المقاطعة فالحقيقة أنها ليست دائماً حلاً، كما أن التصويت لمجرد إرضاء قريب أو صديق ليس موقفاً سليماً، فإذا قاطع أصحاب الكفاءة الانتخاب، وذهب أصحاب المصالح والعلاقات إلى الصندوق، فإن النتيجة ستكون واضحة: سيصل من يملك القدرة على الحشد، وليس بالضرورة من يملك القدرة على الإدارة، وأن الصوت الحر لا يعني أن تصوت ضد ابن عمك، ولا يعني أن تصوت له لأنه ابن عمك، بل الصوت الحر يعني أن تقول له بكل احترام: أحترمك وأقدّرك، لكن صوتي أمانة، وسأمنحه لمن أراه الأقدر على خدمة منطقتنا.
وقد يكون لدينا العديد من المرشحين، لكن كثرة المرشحين لا تعني بالضرورة جودة الاختيار، انما المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح معيار الناخب هو العائلة، أو العشيرة، أو الصداقة، أو المنفعة الشخصية، أو الوعود، أو مجرد الحضور على وسائل التواصل الاجتماعي.. عندها يتحول صندوق الاقتراع من وسيلة لاختيار الأكفأ إلى وسيلة لإعادة إنتاج المشكلة نفسها.. ولذلك نحن بحاجة إلى تغيير السؤال من: “مين نازل؟” إلى: “مين الأقدر؟” ومن: “كم معه أصوات؟” إلى: “ماذا يستطيع أن يقدم؟” ومن: “هذا قرابتي” إلى: “هذا ابن الوطن والمنطقة، فهل هو أهل لهذه المسؤولية؟”
ختاماً، ان الانتخابات البلدية القادمة، إن جرت في موعدها المتوقع، يجب ألا تكون مجرد منافسة على كرسي رئيس البلدية أو مقعد في المجلس بل هي فرصة لنقرر: أي بلدية نريد؟ وأي مستقبل نريد لمنطقتنا؟ ولذلك على المرشح أن يحترم عقول الناخبين، وأن يقدم برنامجاً واضحاً بدلاً من الاكتفاء بالشعارات والصور، وعلى الناخب أن يتحرر من الحرج الاجتماعي، وأن يدرك أن صوته ليس هدية لأحد، ولا ديناً في رقبة أحد، أما المقاطعة، فهي حق لمن يختارها، لكنها ليست بالضرورة الحل انما الحل الحقيقي يبدأ عندما نذهب إلى الصندوق، ونضع صوتنا حيث يجب أن يكون:
مع الكفاءة… مع النزاهة… مع صاحب الرؤية… ومع من نعتقد أنه قادر فعلاً على خدمة الناس،
ففي النهاية، قد ينجح المرشح في الانتخابات بسبب أصواتنا، لكن نجاح البلدية أو فشلها سيكون نتيجة اختيارنا نحن.