facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الجامعة الأردنية .. 64 عامًا من الريادة حين راهن الأردن على الإنسان


بهاء الشنتير
02-09-2026 11:43 AM

هناك مؤسسات يرسّخها الزمن، وأخرى تسهم في صناعة الزمن. والجامعة الأردنية تنتمي إلى النوع الثاني.

في الثاني من أيلول عام 1962، لم يضع الأردن حجر الأساس لجامعة فحسب، بل أرسى دعائم رؤية وطنية كبرى مفادها أن بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان، وأن المعرفة ليست ترفًا في مسيرة الأوطان، بل مصدر قوتها الحقيقي وجسرها الأكثر أمانًا نحو المستقبل.

ومنذ ذلك اليوم، بدأت مسيرة الجامعة الأردنية؛ مسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل أسهمت في صياغتها عقول أجيال تخرّجت في مدرجاتها، وطموحات طلبة عبروا بوابتها، وجهود علماء وأساتذة وباحثين جعلوا من قاعاتها ومختبراتها فضاءات لإنتاج المعرفة.

وعلى مدى أربعة وستين عامًا، نمت الجامعة مع الأردن، ونما الأردن بها، حتى غدت واحدة من أكثر مؤسساته الوطنية رسوخًا في الذاكرة العلمية والفكرية.

بدأت الجامعة بإمكانات محدودة، لكنها انطلقت من فكرة عظيمة وطموح يتجاوز حدود المكان. ومع تعاقب العقود، توسعت كلياتها، وتنوعت تخصصاتها، وتطورت منظومتها الأكاديمية والبحثية، وتعاقبت أجيال من الطلبة والأساتذة والباحثين والعاملين، حتى أصبحت منظومة معرفية متكاملة تجمع تحت مظلتها مختلف مجالات العلم والمعرفة.

غير أن مكانة الجامعة الأردنية لا تختزلها الأرقام، ولا تُقاس بعدد الكليات والبرامج والخريجين؛ فالمعيار الحقيقي لأي جامعة يتمثل في الإنسان الذي تخرّجه، والأثر الذي يتركه بعد مغادرته أسوارها.

من مدرجاتها تخرّج الطبيب الذي أنقذ حياة، والمهندس الذي أسهم في البناء، والقانوني الذي دافع عن الحق، والأستاذ الذي غرس في طلبته شغف المعرفة، والباحث الذي واصل البحث عن إجابة حتى فتح آفاقًا جديدة للعلم، إلى جانب الاقتصادي والإعلامي والدبلوماسي والإداري الذين حملوا معارفهم إلى مختلف ميادين الحياة.

ولهذا، فإن عبارة «أنا خريج الجامعة الأردنية» ليست مجرد تعريف بمؤهل أكاديمي؛ إنها ذاكرة وانتماء ومسيرة من العلم والتجربة والطموح. جملة قصيرة تختزن وراءها مدرجًا شهد البدايات، وأستاذًا ترك أثرًا، وكتابًا فتح آفاقًا، وصداقات صنعتها الأيام، وحلمًا بدأ صغيرًا ثم اتسع أثره في الحياة.

وخلف هذا الإنجاز، تقف أجيال قد لا تظهر جميع أسمائها في العناوين، لكنها أسهمت في صناعة الفارق؛ أساتذة حملوا رسالة التعليم، وباحثون وسّعوا حدود المعرفة، وإداريون وموظفون أدوا مسؤولياتهم، وطلبة منحوا المكان شبابه وروحه. وهكذا تراكمت السنوات كما تتراكم طبقات الضوء؛ إذ أضاف كل جيل لبنة إلى صرح الجامعة، حتى أصبحت ذاكرة وطنية حية لا يشيخ عمرها، لأنها تتجدد مع كل جيل جديد.

واليوم، وهي تدخل عامها الرابع والستين، تقف الجامعة الأردنية أمام سؤال يتجاوز الاحتفال بالذكرى: كيف تحافظ على مكانة تاريخها، من دون أن يتحول هذا التاريخ إلى سقف لطموحها؟

هنا تبرز مسؤولية الأستاذ الدكتور نذير عبيدات، الذي يقود هذا الصرح في مرحلة تتطلب رؤية تتجاوز إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل.

وفي شخصية الدكتور عبيدات يلتقي الأكاديمي الذي يدرك قيمة المعرفة، بالقائد الذي يؤمن بأن المؤسسات العريقة لا تُقاس بما ورثته فحسب، بل بما تضيفه إلى إرثها. ومن ثم، فإن قيادته للجامعة ليست مسؤولية إدارية فحسب، بل أمانة تجاه صرح وطني يمتد تاريخه أربعة وستين عامًا، ومسؤولية أمام أجيال أسهمت في صناعة مجد الجامعة، وأجيال جديدة تنتظر منها أن تفتح لها آفاق الغد.

ويُحسب للدكتور نذير عبيدات تعامله مع عراقة الجامعة باعتبارها مسؤولية لا امتيازًا، ومع تاريخها باعتباره نقطة انطلاق لا محطة وصول. فهو يدرك أن الجامعة التي بنت حضورها عبر عقود لا تستطيع الاكتفاء بأمجادها، وأن الوفاء الحقيقي للماضي يتمثل في بناء مستقبل يليق به.

وفي قيادته، تبدو الجامعة أكثر إصرارًا على ترسيخ التميز الأكاديمي، وتعزيز البحث العلمي والابتكار، وتوسيع الانفتاح على العالم، وخدمة المجتمع بوصفها محاور أساسية في مسيرتها. وهذه مسؤولية ليست يسيرة في مؤسسة بهذا العمق التاريخي وحجم التوقعات المحيطة بها؛ إذ إن قيادة جامعة عريقة كالجامعة الأردنية تشبه قيادة سفينة تحمل في ذاكرتها أجيالًا كاملة، فيما يتعين عليها في الوقت ذاته الإبحار نحو أفق لم يتشكل بعد.

ولعل قيمة الدكتور عبيدات لا تكمن في موقعه رئيسًا للجامعة فحسب، بل في كونه أكاديميًا يدرك أن الجامعة لا تُقاس بما تمنحه من شهادات، وإنما بما تنتجه من أفكار، وما تسهم في بناءه من شخصيات، وما تتركه من أثر. ومن هنا تبرز أهمية المرحلة التي يقودها؛ مرحلة يتمثل تحديها الحقيقي في تحويل الإرث المتراكم إلى قوة متجددة، وتحويل المكانة التاريخية إلى حضور أكثر تأثيرًا في المشهد الأكاديمي والبحثي محليًا وإقليميًا ودوليًا.

إنه يقود جامعة لا تحتاج إلى من يحرس مجدها فحسب، بل إلى من يضيف إليه؛ جامعة يرفع كل إنجاز فيها سقف الطموح، وينعكس كل تقدم تحققه على صورة الأردن، ويحمل كل طالب يتخرج فيها شيئًا من اسمها وشيئًا من وطنه إلى العالم.

ومن هذه الزاوية، تظل الجامعة الأردنية واحدة من أبرز تجليات الرؤية الهاشمية التي جعلت الإنسان محورًا لبناء الدولة؛ بدءًا من عهد المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، الذي آمن بأن بناء الأردن يبدأ ببناء الإنسان، مرورًا بعهد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، الذي واصل وضع التعليم والمعرفة والشباب في صميم مشروع الأردن الحديث، وصولًا إلى سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، الذي يجسد طموح جيل جديد من الأردنيين، وإلى جلالة الملكة رانيا العبدالله، التي جعلت التعليم وتمكين الإنسان والشباب رسالة تتجاوز حدود الأردن إلى العالم.

لذلك، فإن الاحتفال بالجامعة الأردنية في عامها الرابع والستين ليس احتفاءً بالماضي وحده، بل هو احتفاء بفكرة أثبتت الأيام صوابها: أن الوطن الذي يستثمر في الإنسان لا يخسر.

لقد راهن الأردن على الإنسان، وكانت الجامعة الأردنية واحدة من أعظم رهاناته وأجمل ثماره.

كبرت الجامعة بالأردن، وكبر الأردن بها.

وكل طالب يعبر بوابتها اليوم لا يدخل إلى جامعة عمرها أربعة وستون عامًا فحسب؛ بل يدخل إلى ذاكرة وطن، وإرث أجيال، ومسؤولية جديدة. يدخل وفي يده كتاب، وفي ذهنه سؤال، وفي قلبه حلم، وربما لا يدرك أن المكان الذي يقف فيه شهد أحلام آلاف الذين سبقوه، وأن كثيرًا منهم خرجوا منه ليسهموا في كتابة أجزاء من قصة الأردن في الطب والهندسة والقانون والتعليم والإدارة والبحث والإبداع.

وهنا ربما تكمن أعظم حكايات الجامعة الأردنية: أنها لم تكتفِ بتخريج حملة شهادات، بل أسهمت في إعداد أجيال حملت وطنًا.

فالجامعة الأردنية ليست صفحة في كتاب الأردن؛ إنها واحدة من الصفحات التي كُتب فيها الأردن نفسه.

أربعة وستون عامًا مضت، لكن المسيرة لم تكتمل؛ فكل طالب جديد يفتح باب الجامعة يحمل معه فصلًا جديدًا، وكل أستاذ يغرس فكرة، وكل باحث يفتح أفقًا للمعرفة، وكل قيادة تؤمن بأن القادم يستحق الأفضل، يواصل كتابة هذه الحكاية.

وما دام في الأردن طالب يحلم، وأستاذ يعلّم، وباحث يبحث، وقيادة تؤمن بأن المستقبل لا يُنتظر بل يُصنع، فإن الجامعة الأردنية ستبقى ذلك الضوء الذي أُشعل في الثاني من أيلول عام 1962 ولم ينطفئ.

أربعة وستون عامًا من الضوء؛ جذورها راسخة في تاريخ الأردن، وأغصانها تمتد إلى العالم، وثمرها إنسان يدرك أن الشهادة ليست نهاية الطريق، وأن القيمة الأسمى للعلم تتمثل في تحوله إلى أثر.

وهكذا تبقى الجامعة الأردنية أكثر من مؤسسة يبلغ عمرها أربعة وستين عامًا؛ إنها أربعة وستون عامًا من عمر فكرة آمن بها الأردن، ورسالة حملتها أجيال، وحلم يتجدد كل صباح:

أن الإنسان إذا امتلك المعرفة، امتلك القدرة على صناعة المستقبل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :