facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بوصلة الماء


رمزي الغزوي
03-09-2026 12:13 AM

يجيء أيلول متكئا على كتف الغيم، خفيف الخطى، كأنه يعرف أن في الهواء شيئا على وشك أن يحدث. تتراجع حدة الصيف قليلا، وتطل برودة خجولة من نافذة الصباح، وتبدأ الأرض في خلع بعض ما أثقلها من غبار. أحب أيلول لأنه لا يدخل علينا بوصفه خاتمة للصيف، بل بوصفه وعدا صغيرا بأن للحياة دائما طريقة أخرى كي تبدأ.

في كل أيلول، ثمة نبات بري يربكني بدهشته. حين تتهيأ الأعشاب للموت تحت سيف القيظ، يخرج «الطيون» أخضر، غضيا، ممتلئا باليناعة، كأن أحدا دس في التراب سرا لا يعرفه أحد. يورق حين يوشك غيره على الذبول، وينثر أزهاره الصفراء في الوديان وخواصر الجبال وحمى الينابيع، معلنا أن للخريف ربيعا لا تراه العين المستعجلة.

أقف أمامه وأفكر: من أين يعرف الطيون موعده؟ وكيف يجرؤ على هذا الاخضرار في زمن الانطفاء؟ ربما لأنه لا يقرأ الفصول كما نقرأها نحن. نحن نرى الخريف، وهو يرى الماء. نحن نرى نهاية الصيف، وهو يصغي إلى ما تحت الأرض.

لهذا يبدو لي الطيون بوصلة خفية للماء. حيث تكون الرطوبة الغائرة في بطن الأرض، وحيث يختبئ ذلك السر الذي لا تراه العيون، يظهر قريبا منها. كأن للماء روحا، وكأن هذا النبات البري يعرف لغتها القديمة. يمد جذوره إلى حيث لا نصل، ثم يعود إلينا بأوراقه ونواره، حاملا الدليل على أن الحياة لا تموت بسهولة.

حتى اسمه يحمل شيئا من حكايته. يقول بعض أهلنا الطيوب بالباء، من الطيب الذي يفوح منه، ثم قلبت الباء نونا. ولعل في الأمر مفارقة جميلة؛ فالأجداد كانوا يستخدمونه في طلاء البيوت القديمة، يمزجون الطين بالكلس والماء، ثم يجعلون من حزمته فرشاة تدهن الجدران، فتظل البيوت تنفث طيبا يشبه ذاكرة المكان.

لهذا أحب الطيون أكثر. ليس لأنه نبات يزهر في غير موعده فقط، بل كونه يذكرني أن المواعيد التي نضعها للحياة ليست مقدسة. قد يجيء ربيعك وأنت تظن أنك في الخريف، وقد تخبئ الأرض ماءها طويلا ثم ترسل لك علامة صغيرة تقول: ما زال في الباطن شيء حي.

فأهلا بك أيها الطيون، يا أخضر يجيء حين يوشك الأخضر على الرحيل. أهلا بك يا بوصلة الماء، ويا نافذة الأرض السرية. فمن قال إن الخريف موسم الذبول؟ ربما كان الخريف، في بعض الجهات، مجرد اسم آخر لربيع يتأخر عن أعيننا.


الدستور





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :