في مجتمع التفاهة .. « حين يصبح الثبات انتصاراً »
عماد عواودة
04-09-2026 10:36 AM
في مجتمعٍ تتسع فيه مساحة التفاهة يوماً بعد يومى، لم تعد التفاهة حالةً عشوائية نلمحها في زاويةٍ من زوايا الحياة ، ثم نمضي عنها منصرفين إلى واقع أكثر جدية ؛ لقد صارت مشهداً ممتداً ، يطل علينا من كل نافذة ، ويتسلل إلى تفاصيل يومنا من غير استئذان .
نجد التفاهة في الشارع والأماكن العامة ، وفي المدارس والجامعات ، وفي السياسة والثقافة ، وفي مواقع التواصل الاجتماعي ، ولربما وجدناها حيث كنا نظن أن الجدية لا تزال تحرس أبوابها ؛ في بعض المحاكم والدوائر والمؤسسات ؛ ثم تتسلل إلى البيوت ، فتظهر في صورٍ ومقاطع ، وفي أغانٍ وبرامج ، حتى صار بعض الأزواج يعرضون خصوصياتهم على الملأ ، وكأن الحياة التي كانت تُصان بالحياء أصبحت مادةً للاستهلاك العام .
ليس الخطر في أن توجد التفاهة ؛ فهي قديمة قدم الإنسان ، وإنما الخطر في أن تتحول إلى ثقافةٍ سائدة ، ومعيارٍ للشهرة ، وطريقٍ مختصر إلى الحضور .
حين تصبح التفاهة أكثر انتشاراً من المعرفة ، وأكثر إثارةً من الفكر ، وأكثر قدرةً على جذب الانتباه من الجمال الحقيقي ، يبدأ المشهد في إعادة ترتيب أولوياته ؛ يصبح صاحب الصوت الأعلى أهم من صاحب الفكرة ، والأكثر إثارةً للجدل أشهر من الأكثر نفعاً ، ويغدو ما يستحق التأمل أقل حظاً من كل ما يستحق المشاهدة العابرة .
هنا يجد الإنسان الذي يريد أن يحتفظ بعقله نفسه في امتحانٍ عسير ؛ وأنّ قول النبي ﷺ : « القابض على دينه كالقابض على الجمر » يستدعي في هذا المقام معنى يتجاوز صورة التدين وحدها ؛ فالثبات على القيم في زمنٍ تتبدل فيه المعايير ليس أمراً سهلاً ؛ وكذلك من أراد أن يبقى ممسكاً بزمام عقله ، فلا تسحبه الجموع إلى حيث لا يريد ، ولا تجرفه الموجة إلى حيث لا يؤمن ، فإنه سيجد نفسه في جهادٍ يومي مع الضجيج .
إن العاقل في مجتمع التفاهة لا يعيش منعزلاً عن العالم ، ولا يستطيع أن يغلق أبوابه ونوافذه كلها ؛ لكنه يستطيع أن يضع للتفاهة حدوداً ، وأن يعرف ما الذي يسمح له بالدخول إلى عقله وقلبه ، وما الذي يتركه يعبر أمامه دون أن يمنحه شيئاً من انتباهه .
فليست كل معركةٍ تستحق أن نخوضها ، وليست كل تفاهةٍ تستحق أن نرد عليها ، وليس كل ضجيجٍ يستحق أن نرفع أصواتنا فوقه ؛ وربما كان هذا هو الامتحان الأصعب في زمننا : ألا تتحول مقارعة التفاهة إلى تفاهةٍ أخرى .
العاقل لا يُطلب منه اليوم أن يطفئ نار التفاهة في العالم ؛ فالنار أكبر من يديه ، والريح التي تحملها أبعد من قدرته على إيقافها ؛ وإنما يُطلب منه شيء أكثر واقعية وأشد صعوبة : أن يثبّت المشهد في حدود الممكن ، وأن يحفظ لنفسه ولمن حوله شيئاً من المعنى ومن الفكر ، حتى لا يزداد سوءاً .
أن يبقى العاقل محترماً حين يبتذل الآخرون الاحترام ، وأن يبقى هادئاً حين يصبح الصخب لغةً عامة ، وأن يظل عقله يعمل حين يتوقف الآخرون عن التفكير ، وأن يحتفظ بقدرته على التمييز حين تختلط الأشياء حتى يبدو الزيف كأنه حقيقة .
في زمنٍ كهذا ، قد لا يكون الانتصار أن تغيّر العالم كله ، بقدر أن تعبره دون أن يسمح لك هو بأن تتغير إلى الأسوأ .
فربما كان الثبات نفسه فعلاً من أفعال المقاومة ، وربما كان مجرد الاحتفاظ بالعقل في زمنٍ تتسابق فيه العقول إلى التخلي عنه نوعاً من الانتصار .