facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




في مجتمع التفاهة .. « حين يصبح الثبات انتصاراً »


عماد عواودة
04-09-2026 10:36 AM

في مجتمعٍ تتسع فيه مساحة التفاهة يوماً بعد يومى، لم تعد التفاهة حالةً عشوائية نلمحها في زاويةٍ من زوايا الحياة ، ثم نمضي عنها منصرفين إلى واقع أكثر جدية ؛ لقد صارت مشهداً ممتداً ، يطل علينا من كل نافذة ، ويتسلل إلى تفاصيل يومنا من غير استئذان .

نجد التفاهة في الشارع والأماكن العامة ، وفي المدارس والجامعات ، وفي السياسة والثقافة ، وفي مواقع التواصل الاجتماعي ، ولربما وجدناها حيث كنا نظن أن الجدية لا تزال تحرس أبوابها ؛ في بعض المحاكم والدوائر والمؤسسات ؛ ثم تتسلل إلى البيوت ، فتظهر في صورٍ ومقاطع ، وفي أغانٍ وبرامج ، حتى صار بعض الأزواج يعرضون خصوصياتهم على الملأ ، وكأن الحياة التي كانت تُصان بالحياء أصبحت مادةً للاستهلاك العام .

ليس الخطر في أن توجد التفاهة ؛ فهي قديمة قدم الإنسان ، وإنما الخطر في أن تتحول إلى ثقافةٍ سائدة ، ومعيارٍ للشهرة ، وطريقٍ مختصر إلى الحضور .

حين تصبح التفاهة أكثر انتشاراً من المعرفة ، وأكثر إثارةً من الفكر ، وأكثر قدرةً على جذب الانتباه من الجمال الحقيقي ، يبدأ المشهد في إعادة ترتيب أولوياته ؛ يصبح صاحب الصوت الأعلى أهم من صاحب الفكرة ، والأكثر إثارةً للجدل أشهر من الأكثر نفعاً ، ويغدو ما يستحق التأمل أقل حظاً من كل ما يستحق المشاهدة العابرة .

هنا يجد الإنسان الذي يريد أن يحتفظ بعقله نفسه في امتحانٍ عسير ؛ وأنّ قول النبي ﷺ : « القابض على دينه كالقابض على الجمر » يستدعي في هذا المقام معنى يتجاوز صورة التدين وحدها ؛ فالثبات على القيم في زمنٍ تتبدل فيه المعايير ليس أمراً سهلاً ؛ وكذلك من أراد أن يبقى ممسكاً بزمام عقله ، فلا تسحبه الجموع إلى حيث لا يريد ، ولا تجرفه الموجة إلى حيث لا يؤمن ، فإنه سيجد نفسه في جهادٍ يومي مع الضجيج .

إن العاقل في مجتمع التفاهة لا يعيش منعزلاً عن العالم ، ولا يستطيع أن يغلق أبوابه ونوافذه كلها ؛ لكنه يستطيع أن يضع للتفاهة حدوداً ، وأن يعرف ما الذي يسمح له بالدخول إلى عقله وقلبه ، وما الذي يتركه يعبر أمامه دون أن يمنحه شيئاً من انتباهه .

فليست كل معركةٍ تستحق أن نخوضها ، وليست كل تفاهةٍ تستحق أن نرد عليها ، وليس كل ضجيجٍ يستحق أن نرفع أصواتنا فوقه ؛ وربما كان هذا هو الامتحان الأصعب في زمننا : ألا تتحول مقارعة التفاهة إلى تفاهةٍ أخرى .

العاقل لا يُطلب منه اليوم أن يطفئ نار التفاهة في العالم ؛ فالنار أكبر من يديه ، والريح التي تحملها أبعد من قدرته على إيقافها ؛ وإنما يُطلب منه شيء أكثر واقعية وأشد صعوبة : أن يثبّت المشهد في حدود الممكن ، وأن يحفظ لنفسه ولمن حوله شيئاً من المعنى ومن الفكر ، حتى لا يزداد سوءاً .

أن يبقى العاقل محترماً حين يبتذل الآخرون الاحترام ، وأن يبقى هادئاً حين يصبح الصخب لغةً عامة ، وأن يظل عقله يعمل حين يتوقف الآخرون عن التفكير ، وأن يحتفظ بقدرته على التمييز حين تختلط الأشياء حتى يبدو الزيف كأنه حقيقة .

في زمنٍ كهذا ، قد لا يكون الانتصار أن تغيّر العالم كله ، بقدر أن تعبره دون أن يسمح لك هو بأن تتغير إلى الأسوأ .

فربما كان الثبات نفسه فعلاً من أفعال المقاومة ، وربما كان مجرد الاحتفاظ بالعقل في زمنٍ تتسابق فيه العقول إلى التخلي عنه نوعاً من الانتصار .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :