لم نفترق، ولكننا لن نلتقي أبداً
د. جاسر خلف محاسنه
04-09-2026 11:23 AM
أبي، لا أعرف إن كانت الرسائل تصل إلى الموتى، لكنني أعرف أن بعض الكلام لا يجد عنواناً إلا السماء؛ لذلك أكتب إليك.
أكتب لأنني كلما ضاقت بي البلاد، اشتقت إليك. وكلما شعرت أن الأشياء الجميلة تنسحب من حولي واحدةً تلو الأخرى، بحثت عن وجهك في الذاكرة. وكلما رأيت الوطن يتغير، تمنيت لو أنك ما زلت هنا، لأجلس أمامك وأقول: يا أبي… ماذا حدث لنا؟
منذ رحيلك وأنا أتعلم معنى جديداً للغياب. كنت أظن أن الغائب هو الذي لا نراه، ثم اكتشفت أن الغائب قد يكون أكثر حضوراً من الأحياء. أنت غائب عن الكرسي، لكنك حاضر في كل ما أفعل. غائب عن البيت، لكنك تسكن في تفاصيله. غائب عن الطريق، لكنني كلما مشيت فيه شعرت أن هناك خطوات قديمة تمشي إلى جواري. غائب عن صوتي، لكنني أسمع صوتك كلما وقفت أمام قرار صعب.
أنت لم تغادرني يا أبي، لقد غادرت جسدك فقط. أما روحك فقد اختارت أن تبقى هنا، في الجهة التي أحببتها أكثر: في قلبي.
أحياناً أفتح باب البيت في خيالي. أنت هناك، جالس كما كنت، لا شيء تغير. أجلس إلى جانبك، أخبرك عن أبنائي، عن العمل، عن الجامعة، عن الناس، عن البلد، وعن كل الأشياء التي حدثت بعدك... وأنت تستمع.
ثم أصل إلى الحديث عن الوطن. هنا يتغير وجهك؛ فأنا أعرفك... كنتَ تعرف الوطن بطريقة مختلفة. لم يكن الوطن عندك كلمة تُقال في المناسبات، كان بيتاً كبيراً، وكانت كرامة الرجل جزءاً من كرامة المكان. كانت الأرض شيئاً يُصان، والاسم شيئاً يُحفظ، والجار شيئاً يُحترم، والوعد شيئاً له ثمن. كنتَ من ذلك الزمن الذي كانت فيه قيمة الرجل تُقاس بما يستطيع أن يحمله عن الآخرين، لا بما يستطيع أن يأخذه منهم.
ولهذا، يا أبي، أشعر أحياناً أنني فقدتك مرتين: فقدتك أنت، وفقدت معك شيئاً من الزمن الذي كنت تنتمي إليه.
يا أبي،
هل تعرف ماذا يفعل الزمن بالوطن؟ لا يهدمه دفعة واحدة، ولا يحتاج إلى زلزال؛ يكفي أن يجعل القبح عادياً، وأن يجعل الخطأ قابلاً للتبرير، وأن يجعل الصادق متعباً، والنزيه مضطراً إلى شرح نزاهته، وأن يجعل الإنسان يعتاد ما كان يرفضه بالأمس.
الوطن لا يسقط دائماً حين تنهار جدرانه، أحياناً يسقط حين تنهار المعايير التي كانت تجعلنا نعرف الفرق بين الجميل والقبيح، وبين الحق والمصلحة، وبين الدولة والغنيمة. وهذا أكثر ما يخيفني: أن نعيش يوماً يصبح فيه كل شيء قابلاً للتفسير، حتى الأشياء التي كان الضمير يرفضها دون حاجة إلى تفسير.
كنتَ يا أبي رجلاً من زمنٍ كان للعيب فيه وجه، وكان للعار حدود، وكان للكرامة مكان. أما اليوم، فقد أصبح لكل شيء محامٍ؛ حتى الخطأ يجد من يدافع عنه، وحتى الرداءة تستطيع أن ترتدي بدلة رسمية، وحتى بعض الذين لا يملكون شيئاً يقدمونه للوطن يستطيعون أن يقفوا أمامه طويلاً، ويتحدثوا باسمه.
وأنا أتساءل: لو كنتَ هنا، ماذا كنت ستقول؟ أعرف أنك لن تخطب، فلم تكن من هواة الكلام الكثير. كنت ستصمت، ثم تنظر إليّ، وفي نظرتك وحدها كان يمكن أن أفهم ما لا تقوله عشرات الخطب. ربما كنت ستقول: "يا بني، لا تجعل فساد الآخرين سبباً لفساد قلبك." وهذه، يا أبي، ربما تكون أصعب وصية.
لقد تعبت يا أبي؛ ليس من الوطن، بل من الأشياء التي أصبحت تقف بين الإنسان ووطنه. تعبت من الضجيج، ومن كثرة الكلام وقلة المعنى، ومن الذين يتحدثون عن الإصلاح حتى أصبح الإصلاح نفسه كلمة مستهلكة، ومن الذين يرفعون الشعارات بأصوات عالية ثم يتركون التفاصيل الصغيرة تنهش روح المكان. تعبت من رؤية أصحاب النوايا الطيبة وهم يتراجعون خطوة بعد خطوة، حتى يصبح الفراغ ملكاً لمن لا يخافون شيئاً.
تعبت من وطنٍ نحبّه أكثر مما نستطيع أن نشرح، ونعاتبه أكثر مما نستطيع أن نحتمل... لكنني، رغم كل شيء، ما زلت أحبه. وربما هذا هو عذابي الأكبر.
أبي،
أنت تعرف أنني لم أبحث في حياتي عن الطريق الأسهل. ركضت طويلاً خلف العمل والفكرة والمشروع والمؤسسة. حاولت أن أبني شيئاً يبقى؛ أقمت جسوراً، وفتحت أبواباً، وحملت مسؤوليات أكثر مما ينبغي. وعندما كان يمكنني أن أختار راحتي، اخترت أن أظل في الصف. كنت أظن أن الوطن يكافئ أبناءه على ما يقدمون، ثم كبرت واكتشفت أن الوطن، مثل الأب، قد لا يملك دائماً أن يقول لك شكراً... ومع ذلك تبقى ابنه، ولهذا بقيت.
أحياناً أفكر فيك وأفكر في نفسي، ثم أفكر في أبنائي، وأدرك أن دورة الحياة غريبة. كنتَ تنظر إليّ وأنا طفل، وأنا الآن أنظر إلى أبنائي وهم يكبرون، وأفهم أشياء لم أفهمها عندما كنت شاباً. أفهم لماذا كان الأب يخاف بصمت، ولماذا كان يخرج إلى العمل وهو متعب، ولماذا كان يحتفظ ببعض همومه لنفسه، ولماذا كان ينظر إلى أبنائه طويلاً دون أن يقول شيئاً.
لقد أصبحت أفهمك الآن... بعد أن أصبحت المسافة بيننا أكبر من العمر نفسه. ويا لها من قسوة أن يفهم الإنسان أباه بعد أن يصبح الأب بعيداً عن كل سؤال.
أبي، أكثر ما يؤلمني أنك لم ترَ كل ما حدث بعد رحيلك: لم ترَ الطريق الذي أكملته، لم ترَ أبناءك وهم يكبرون، لم ترَ أحفادك وهم يأتون إلى هذا العالم، لم ترَني وأنا أتعلم كيف أكون أباً، ولم ترَ كم مرة تمنيت أن أعود طفلاً للحظة واحدة، فقط لأجلس بجانبك. لم أكن أحتاج نصيحة، كنت أحتاج كتفك... فقط.
أتعرف ما الفرق بين الحنين واللقاء؟ الحنين يفتح الباب، واللقاء يعيد الإنسان إلى البيت. وأنا منذ رحيلك أفتح الباب كل يوم، لكن البيت لا يدخل منه أحد؛ لذلك تعلمت أن أعيش مع الحقيقة الأكثر قسوة: أنت معي… لكنك لن تعود. روحك معي، دعاؤك معي، اسمك معي، ذكراك معي... لكن جسدك الذي كان يجعل كل ذلك حقيقياً لن يعود.
ولهذا: لم نفترق، ولكننا لن نلتقي أبداً.
وأحياناً يا أبي، أشعر أن الوطن يشبهك. أعرف أنه ما زال هنا؛ أراه، أمشي فوق ترابه، أتنفس هواءه، أسمع لغته، أعرف شوارعه وناسه، وأعرف أن روحه ما زالت موجودة. لكن شيئاً ما تغيّر... شيء لا تستطيع العين أن تراه ولا اليد أن تمسكه، شيء يشبه الفرق بين الإنسان الحي وجسده بعد الموت. الجسد موجود، لكن الروح هي التي تمنح الأشياء معناها؛ ولهذا أخاف على الوطن من موتٍ لا يُعلن عنه أحد، أخاف أن يبقى الوطن واقفاً بينما تنسحب روحه ببطء.
الوطن الذي أريده يا أبي ليس وطناً مثالياً؛ فأنا أعرف أن البشر يخطئون، وأن المؤسسات تتعثر، وأن الزمن يبدل الأشياء. لكنني أريد وطناً يحتفظ بقدرته على الخجل، وطناً يستطيع أن يقول للخطأ: أنت خطأ، وللجميل: أنت جميل، وللإنسان: أنت أهم من الورق الذي يحمل اسمك.
أريد وطناً يستطيع فيه الشاب أن يحلم دون أن يشعر أن حلمه يحتاج إلى شفاعة أو محاباة، وطناً يشعر فيه المجتهد أن جهده مرئي، والنزيه أن نزاهته قوة، والأستاذ أن علمه قيمة، والمهندس أن البناء الذي يشيّده سيبقى، والمواطن أن صوته لا يضيع في ممرات لا تنتهي. أريد وطناً لا يطلب من أبنائه أن يكونوا بارعين في النجاة فقط، بل يمنحهم فرصة لأن يكونوا بارعين في الحياة.
أبي،
ربما لهذا السبب أكتب إليك، لأنني أعرف أنك لن تجاملني؛ فالموتى لا يحتاجون إلى المجاملة. وأنت تحديداً، كنت تستطيع أن تقول الحقيقة دون أن ترفع صوتك. كنت تعرف أن الرجل يمكن أن يخسر المال ويظل غنياً، ويمكن أن يخسر منصباً ويظل كبيراً، ويمكن أن يخسر معركة ويبقى واقفاً... لكن حين يخسر نفسه، يخسر كل شيء. وأنا أخشى على هذا الوطن من أن يخسر نفسه.
إذا عدت يوماً إلى هذا المكان، يا أبي، فلن أسألك أين كنت. سأسألك فقط: هل كنت تراني؟ هل رأيتني وأنا أقاوم؟ هل رأيتني وأنا أتعب؟ هل رأيتني وأنا أحاول أن أترك شيئاً جميلاً خلفي؟ هل رأيتني وأنا أبحث عنك في كل رجلٍ يشبهك؟
وسأكون راضياً إذا قلت: نعم. فكل ما أريده من أبي، بعد كل هذه السنوات، أن يعرف أن ابنه حاول.
أما أنا فسأبقى هنا. سأحاول أن أتعلم كيف أحمل اسمك دون أن أثقله، كيف أحب الوطن دون أن أفقد بصيرتي، كيف أغضب منه دون أن أخونه، كيف أقول الحقيقة دون أن أفقد الرحمة، وكيف أحتفظ بقلبي نظيفاً في زمنٍ يتسخ فيه كل شيء بسرعة.
أبي،
ربما الموت ليس نهاية الحكاية، ربما هو فقط انتقال الإنسان من المكان الذي تستطيع فيه أن تراه، إلى المكان الذي لا تستطيع فيه إلا أن تشعر به. وأنا أشعر بك: في وحدتي، في غضبي، في خوفي، في حنيني، في محبتي، وفي كل مرة أختار فيها أن أبقى إنساناً رغم كل ما يدفع الإنسان إلى أن يتحول إلى شيء آخر.
لهذا سأظل أكتب إليك حتى لو لم تصل الرسائل؛ فبعض الرسائل لا تُكتب لكي تصل، تُكتب لكي لا يموت صاحبها مرتين.
أبي، نم مطمئناً... ابنك ما زال هنا، والوطن ما زال هنا، والبيت ما زال يحمل اسمك، والأرض التي أحببتها لم تغادر مكانها. أما الأشياء الجميلة التي عرفناها معاً فسأحاول أن أحرس ما تبقى منها، سأحملها إلى أبنائي وسأقول لهم: كان هناك رجل اسمه خلف... كان يعرف أن الوطن بيت، وكان يعرف أن الرجل كلمة، وكان يعرف أن الكرامة أغلى من كل شيء، وكان يعرف أن الإنسان يستطيع أن يرحل عن الدنيا لكنه يستطيع أن يترك وراءه شيئاً يشبه الضوء. وسأقول لهم: هذا جدكم. ثم سأصمت؛ لأن بعض الرجال أكبر من أن تختصرهم الكلمات.
أبي، ما زلت أشتاق إليك، وما زلت كلما تعبت أبحث عنك، وما زلت أرفع رأسي أحياناً نحو السماء وأتحدث معك كما لو أنك تسمع... وربما تسمع. وربما الروح حين تحب لا تحتاج إلى جسد كي تبقى.
لذلك لا أقول لك وداعاً؛ فالوداع يحتاج إلى نهاية، وأنت لم تنتهِ. أنت موجود فيّ، وفي أبنائي، وفي البيت، وفي الأرض، وفي اسمي، وفي كل موقف سأقف فيه وأتذكر أنك كنت ستفعل الشيء الصحيح.
لكنني سأقول لك الحقيقة الوحيدة التي لم أستطع حتى الآن أن أتعلم كيف أتقبلها:
لم نفترق يا أبي... ولكننا لن نلتقي أبداً.
وسأبقى بين هاتين الجملتين ما بقي لي من عمر: أعيش، وأتذكر، وأحب، وأحزن، وأحاول أن أصلح ما أستطيع إصلاحه.
ثم، عندما ينتهي الطريق ذات يوم، سأعود إليك...
وعندها فقط، لن تكون هناك حاجة إلى رسالة؛ سيكون اللقاء نفسه هو الرسالة.