زمن اللا سلم واللا حرب: الشرق الأوسط في مخاض الصراع الهجين الكبير
السفير ماهر لوكاشه
04-09-2026 02:24 PM
لم يعد الشرق الأوسط يقف على حافة حرب محتملة، بل دخل بالفعل في قلب صراع مفتوح، من دون أن يتحول هذا الصراع إلى حرب شاملة بالمعنى التقليدي. وهذه هي المفارقة التي تفسر المشهد الراهن: مواجهة مباشرة واسعة، أعقبتها هدنة مؤقتة، ثم عودة إلى الضربات والتهديدات والردود المحدودة، من غير أن تمتلك أي من القوى الرئيسية القدرة أو الرغبة في الذهاب إلى النهاية.
هذه ليست حالة سلام ناقص، ولا حرباً مؤجلة فحسب. إنها حالة استراتيجية قائمة بذاتها يمكن وصفها بـ«اللا سلم واللا حرب المسلحة»، حيث تتجاور الضربة العسكرية مع المفاوضات، والردع مع الاستنزاف، والتهديد بإغلاق الممرات البحرية مع الحديث عن خفض التصعيد. وفي هذه المنطقة الرمادية يتحدد مستقبل الإقليم لا من خلال نتيجة معركة واحدة، بل من خلال قدرة كل طرف على إدارة المخاطر ومنع خصمه من تحويل التفوق التكتيكي إلى مكسب سياسي دائم.
ولفهم طبيعة التحول الذي تشهده المنطقة، ينبغي التوقف أولاً عند طبيعة الصراع نفسه. فقد كان الصراع الأميركي–الإيراني، لسنوات طويلة، يدار عبر مزيج من العقوبات والضغوط والعمليات السرية وحروب الوكالة. أما التطور الأخطر في المرحلة الراهنة فهو أن الحدود بين الحرب المباشرة وغير المباشرة بدأت تتآكل. فقد انتقلت المواجهة من الرسائل التي تُوجَّه عبر الحلفاء إلى ضربات معلنة أو شبه معلنة، ثم عادت إلى ساحات متعددة تشمل البحر والموانئ والقواعد والمنشآت الحيوية.
ولا يعني وصف الصراع بأنه «هجين» مجرد جمع الأدوات العسكرية وغير العسكرية في قائمة واحدة. جوهر الحرب الهجينة هو إدارة التناقض بين الفعل والاعتراف به: أن يضرب الطرف خصمه، لكنه يترك لنفسه مساحة للإنكار أو التفسير أو التراجع؛ وأن يرفع كلفة الخصم من دون أن يمنحه ذريعة كافية للانتقال إلى حرب شاملة. ولهذا تتداخل الصواريخ والطائرات المسيّرة مع الهجمات السيبرانية والعقوبات والتضليل الإعلامي والضغط على الطاقة والتجارة، وتصبح المعلومة نفسها جزءاً من العمليات العسكرية.
الصراع الهجين هو، في جوهره، صراع على الزمن. فالقوة الكبرى تراهن على التفوق التكنولوجي والضربة الدقيقة والقدرة على شل البنية العسكرية، بينما تراهن القوة الأضعف على إطالة أمد المواجهة، وتوزيع كلفتها، وفتح جبهات متعددة، وتحويل التفوق العسكري إلى عبء سياسي واقتصادي على صاحبه. ولذلك فإن السؤال الحاسم ليس من يملك السلاح الأقوى، بل من يستطيع الصمود وإعادة إنتاج قدرته على الفعل بعد الضربة الأولى.
ويظهر هذا التحول بوضوح في نتائج المواجهة المباشرة الأخيرة. فقد أظهرت المواجهة الأخيرة أن التفوق العملياتي الأميركي–الإسرائيلي قادر على إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية واللوجستية الإيرانية، لكنه لا يضمن وحده إنتاج تسوية مستقرة. فالضربة قد تدمر منصة أو منشأة، لكنها لا تلغي الدوافع السياسية التي أنتجت السلوك الإيراني، ولا تنهي شبكة المصالح والقدرات التي تسمح لطهران بإعادة تنظيم أدواتها.
ومن هنا انتقلت المقاربة الأميركية–الإسرائيلية من هدف «منع الحرب» إلى هدف أكثر تعقيداً هو إدارة آثار الحرب. فالمطلوب عسكرياً هو الحفاظ على الردع ومنع إعادة بناء القدرات النووية والصاروخية، والمطلوب سياسياً إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، والمطلوب إقليمياً منع انتقال النار إلى الدول الحليفة أو إلى الممرات البحرية. وهذه الأهداف لا تنسجم دائماً؛ فكلما زادت الضغوط العسكرية، تقلصت مساحة التفاوض، وكلما اتسعت مساحة التفاوض، بدت سياسة الردع أقل حسماً.
وتكمن معضلة الردع في أن إظهار القوة قد يمنع الخصم من التراجع. فالتهديد بضرب إيران «بشدة»، كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب الهجمات على قواعد أردنية تستضيف قوات أميركية ضمن إطار التعاون العسكري بين البلدين، قد يكون رسالة لردع طهران، لكنه قد يُقرأ في إيران بوصفه دليلاً على أن التراجع مكلف مهما كان سلوكها. وفي هذه الحالة تتحول الرسالة الردعية إلى عامل يدفع الخصم إلى الرد، حفاظاً على صورته وقدرته على المناورة.
وإذا كانت هذه المعضلة تكشف حدود القوة الأميركية–الإسرائيلية، فإنها تفسر في الوقت نفسه التحول الذي طرأ على السلوك الإيراني. فقد بنت إيران جزءاً كبيراً من أمنها الإقليمي على مفهوم العمق الاستراتيجي، وسعت إلى نقل خطوط المواجهة بعيداً عن أراضيها عبر شبكة من الحلفاء والشركاء في غزة ولبنان وسورية والعراق واليمن. وكانت هذه الشبكة تمنحها قدرة على الضغط والمناورة، لكنها لم تكن قيادة عملياتية موحدة؛ فلكل طرف حساباته المحلية، وحدود التزامه، وقدرته على المبادرة أو ضبط التصعيد.
غير أن التطورات الأخيرة أظهرت تحولاً مهماً في السلوك الإيراني. فالرد لم يعد يعتمد على الوكلاء وحدهم، بل جمع بين استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، والضغط على الملاحة، والتهديد بإغلاق أو تعطيل مضيق هرمز، وتوظيف الغموض النووي في تحسين شروط التفاوض. وبعد الضربة الأميركية على أهداف إيرانية في جزيرة لارك، قالت طهران إنها ردت باستهداف قواعد أردنية تستضيف قوات أميركية، كما تحدثت تقارير عن هجمات على مواقع أميركية في دول خليجية والعراق.
هذه الاستراتيجية لا تعني أن إيران تبحث عن حرب شاملة. على العكس، هدفها هو بناء معادلة تجعل تكلفة ضربها أعلى من قدرة خصومها على احتمالها، من دون أن تفقد السيطرة على سلم التصعيد. لكنها تحمل في الوقت نفسه خطراً بنيوياً: فكلما زادت الجبهات والأدوات، أصبح من الصعب ضمان أن تعمل جميعها ضمن قرار سياسي واحد. وقد يبدأ التصعيد برسالة محسوبة، ثم يتحول بفعل سوء التقدير أو اختلاف حسابات الحلفاء إلى مواجهة لا يملك طرف واحد التحكم في نهايتها.
ولا يمكن قراءة هذه التحولات من دون الوقوف عند موقع الأردن، الذي لم يعد بعيداً عن ارتدادات المواجهة. ويكتسب الأردن في هذه المرحلة موقعاً يتجاوز كونه طرفاً متأثراً بتداعيات الصراع. فقد قالت إيران إنها استهدفت قواعد أردنية تستضيف قوات أميركية ضمن إطار التعاون العسكري بين البلدين، فيما أعلن الجيش الأردني اعتراض الصواريخ. وبغض النظر عن اختلاف الروايات حول طبيعة الأهداف ونتائج الهجوم، فإن مجرد انتقال الردود إلى الأجواء والأراضي الأردنية يضع المملكة أمام معادلة دقيقة.
تتمثل الأولوية الأردنية في حماية السيادة الوطنية ومنع تحويل المملكة إلى ساحة لتبادل الرسائل بين القوى المتصارعة. وفي الوقت نفسه، تفرض ترتيبات التعاون العسكري والأمني مع الولايات المتحدة التزامات عملية تتعلق بحماية القوات والمنشآت والقدرة على التعامل مع التهديدات العابرة للحدود. وهنا لا تكمن المشكلة في وجود خيارين منفصلين، أحدهما أميركي والآخر وطني؛ بل في إدارة العلاقة بين الأمن الوطني الأردني وشبكة الالتزامات الدولية التي تحيط به.
ويمنح الأردن موقعه الجغرافي قيمة استراتيجية، لكنه يجعله أيضاً عرضة للارتدادات. فالمملكة تقع عند تقاطع المسارح السورية والعراقية والفلسطينية والإسرائيلية، وتجاور بيئة إقليمية تتكاثر فيها الطائرات المسيّرة والصواريخ وشبكات التهريب والفصائل المسلحة. ولذلك فإن أي استهداف جديد لمواقع أردنية تستضيف قوات أميركية، أو أي اعتراض لصواريخ عابرة للأجواء، يضع عمّان أمام اختبار مزدوج: حماية أمنها الوطني، ومنع انزلاقها إلى طرف مباشر في حرب لا تختار توقيتها ولا ساحتها.
ومن منظور استراتيجي، لا ينبغي قراءة الموقف الأردني باعتباره امتداداً آلياً لموقف أي قوة كبرى. فالأردن معني قبل كل شيء بمنع انتقال الصراع إلى أراضيه، وحماية استقراره الداخلي، والحفاظ على دوره السياسي والإقليمي. وهذه المعادلة تقتضي خطاباً واضحاً يؤكد أن التعاون العسكري لا يلغي السيادة، وأن استضافة قوات أجنبية في إطار اتفاقات معلنة لا تجعل الدولة المضيفة طرفاً تلقائياً في كل قرار تتخذه الدولة الشريكة.
ومن الأردن تمتد آثار الصراع إلى الخليج وممراته البحرية، حيث لم يعد أمن مضيق هرمز مسألة مرتبطة بسوق الطاقة وحدها. فقد تحول المضيق إلى ورقة ضغط عسكرية وسياسية، وأصبح التهديد بالملاحة جزءاً من إدارة الصراع. وتتعاظم حساسية هرمز لأن اضطرابه لا يؤثر في حركة النفط والغاز فحسب، بل يطال التأمين والشحن وسلاسل الإمداد وثقة الأسواق، ويضع الدول الآسيوية والأوروبية أمام كلفة استراتيجية لا يمكن فصلها عن الحسابات العسكرية.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال أمن هرمز في قرار إيراني منفرد. فالمضيق فضاء دولي تتقاطع فيه مصالح دول الخليج والقوى البحرية الكبرى وشركات الطاقة. وكلما اقتربت الأطراف من تحويله إلى منطقة إغلاق دائم، انتقلت الأزمة من مجال الردع الإقليمي إلى أزمة دولية تستدعي تدخلاً أوسع. ولهذا فإن التهديد الملاحي قد يكون فعالاً عندما يستخدم بصورة محدودة ومؤقتة، لكنه يفقد قيمته إذا تحول إلى حصار طويل يستدعي تحالفاً دولياً مضاداً.
وتتصل هرمز بباب المندب والبحر الأحمر لا من خلال جغرافيا متصلة فقط، بل من خلال منطق استراتيجي واحد: الضغط على التجارة العالمية عبر نقاط الاختناق. وهذا يعني أن أمن الخليج لم يعد دفاعاً عن منشآت داخلية، بل أصبح دفاعاً عن شبكة من الموانئ والممرات والمنشآت البحرية والاتصالات والطاقة. كما أن أمن الأردن والعراق بات مرتبطاً بهذه الشبكة؛ فتعطل طريق بحري قد يعيد توجيه التجارة نحو الموانئ البرية، ويزيد الضغط على الحدود والبنية اللوجستية للدول المجاورة.
ولا يكتمل تحليل موازين القوى من دون التمييز بين النفوذ السياسي والالتزام العسكري. فتستفيد موسكو وبكين من تراجع قدرة واشنطن على احتكار إدارة الأمن الإقليمي، لكن الاستفادة لا تعني الاستعداد لخوض حرب مباشرة دفاعاً عن إيران. فروسيا تنظر إلى الصراع من زاوية التنافس مع الولايات المتحدة ومصالحها العسكرية والسياسية، بينما تركز الصين على استقرار الطاقة والتجارة وتوسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي.
وتكمن أهمية التمييز هنا في تجنب المبالغة في تفسير الشراكات. فالتعاون الروسي–الإيراني، مهما تعمق، لا يساوي تلقائياً تحالفاً دفاعياً ملزماً، كما أن العلاقات الاقتصادية الصينية–الإيرانية لا تعني أن بكين ستخاطر بمصالحها العالمية من أجل مواجهة مباشرة مع واشنطن. وقد تستخدم القوتان الأزمة لإعادة توزيع النفوذ، أو لتقديم دعم سياسي وتقني واقتصادي انتقائي، لكنهما ستحتفظان بحساباتهما المستقلة.
وهذا يضع إيران أمام حدود واضحة لما يمكن أن تقدمه الشراكات الدولية. فالدعم السياسي والاقتصادي قد يساعدها على الصمود، لكنه لا يعوض غياب مظلة دفاعية مباشرة. كما يضع دول المنطقة أمام واقع جديد: تعدد الشركاء لا يعني تعدد الضمانات، وتنويع العلاقات لا يساوي بالضرورة امتلاك قدرة مستقلة على إدارة المخاطر.
وعند النظر إلى المستقبل، لا تبدو المنطقة أمام طريق واحد، بل أمام ثلاثة مسارات متنافسة، يختلف كل منها في شروط تحققه وكلفة الانتقال إليه. ففي المسار الأول، تستمر «المواجهة المحدودة القابلة لإعادة الاحتواء»، حيث تتبادل الأطراف ضربات محسوبة، وتهديدات بحرية، وضغوطاً اقتصادية، وهجمات عبر الحلفاء، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة. وهذا هو المسار الذي يسمح لكل طرف بادعاء أنه حقق الردع من دون تحمل كلفة حرب شاملة. لكنه ليس استقراراً؛ إنه إدارة مؤقتة للتوتر، يمكن أن تنهار عند سقوط عدد كبير من الضحايا أو إصابة منشأة حساسة أو إغلاق ممر بحري.
أما المسار الثاني، فهو «الانفلات الإقليمي وتجدد الحرب». وقد ظهر هذا الخطر جزئياً في انتقال الردود إلى أراضي دول ثالثة، وفي اتساع دائرة الاستهداف لتشمل مواقع تستضيف قوات أميركية في الأردن ودول الخليج والعراق، وفي اقتران التهديد العسكري بالضغط على الملاحة. وتتمثل أخطر مؤشرات هذا المسار في ضرب البنية التحتية المدنية، أو توقف الوساطات، أو الإخلاء الدبلوماسي، أو التعبئة الواسعة، أو الإغلاق الفعلي للممرات البحرية، أو انتقال الهجمات من الأهداف العسكرية إلى الطاقة والموانئ والاتصالات.
وفي المقابل، يبقى المسار الثالث هو «التسوية المرحلية». ولا تعني هذه التسوية صفقة كبرى تحل كل الملفات دفعة واحدة، بل سلسلة من التفاهمات تبدأ بحماية الملاحة وخفض الضربات، ثم إجراءات قابلة للتحقق في الملف النووي، وتخفيف محدود للعقوبات، وترتيبات إقليمية لعدم الاعتداء. وستكون فرص نجاحها أكبر إذا شاركت دول الخليج والأردن والعراق في صياغة الترتيبات الأمنية، بدلاً من اختزال الأزمة في تفاوض ثنائي بين واشنطن وطهران.
تكشف المرحلة الراهنة أن الحرب المباشرة لم تنتج حسماً سياسياً، وأن الهدنة المؤقتة لم تتحول إلى نظام أمني جديد. فقد أثبت التفوق العملياتي قدرته على إلحاق أضرار كبيرة بالخصم، لكنه لم ينجح وحده في إنهاء التنافس أو إنتاج قواعد مستقرة للعلاقة بين أطراف الصراع. وفي المقابل، أظهرت إيران أن امتلاك أدوات الرد المباشر وغير المباشر، والقدرة على تهديد الملاحة والاقتصاد، يمكن أن يمنحها هامشاً تفاوضياً حتى في ظل تفوق عسكري واضح عليها.
لذلك فإن الشرق الأوسط لا يتجه ببساطة إلى حرب شاملة أو سلام شامل، بل إلى مساومة قسرية طويلة تتداخل فيها الضغوط العسكرية والاقتصادية والبحرية مع قنوات التفاوض. وقد يتشكل النظام الإقليمي المقبل من تعدد في الشراكات وموازنة للنفوذ، لا من انتقال آلي إلى نظام متعدد الأقطاب مكتمل المعالم.
أما الدرس الأهم للأردن ودول الخليج والعراق، فهو أن الأمن لا يُبنى على انتظار الحسم العسكري، ولا على افتراض أن الجغرافيا تحمي أصحابها من ارتدادات الصراع. الأمن الحقيقي هو القدرة على حماية السيادة، وتنويع الشراكات، وتعزيز المناعة الوطنية، وحماية الممرات الحيوية، وإقامة قنوات اتصال تمنع سوء التقدير. فالهدنة التي لا تستند إلى قواعد واضحة وآليات تحقق وضمانات إقليمية ليست سوى استراحة بين جولتين، أما الاستقرار الدائم فيبدأ حين تصبح دول المنطقة أطرافاً في صياغة قواعده، لا مجرد ساحات لتطبيقها.