مَن يرفع أسعار الحِرَف في الأردن؟
د. طارق سامي خوري
04-09-2026 02:48 PM
هناك ظاهرة ألاحظها منذ فترة، وأعتقد أنها تستحق نقاشًا اقتصاديًا واجتماعيًا جادًا، بعيدًا عن لوم أصحاب المهن والحرف، فكل إنسان من حقه أن يرزقه الله وأن يحسّن دخله.
أتحدث عن الارتفاع الكبير، وأحيانًا غير المفهوم، في أجور بعض المهن والحِرَف: البلاط، الدهان، القصارة، السباكة وغيرها.
قبل أيام احتجت إلى بليط أعرفه وتعاملت معه سابقًا، وطلبت منه تركيب سيراميك لمساحة تقارب 50 مترًا، عمل إلصاق فقط، يمكن إنجازه تقريبًا خلال يوم. سعر متر السيراميك نفسه نحو 5 دنانير، بينما طلب الحرفي 11 دينارًا للمتر أجرة تركيب فقط، دون السيراميك!
سألته عن سبب هذا السعر، خصوصًا أنني أعرف الأسعار التي كان يعمل بها سابقًا، فكان جوابه بمنتهى البساطة والصراحة:
«هناك ناس تدفع… فلماذا آخذ أقل؟»
وهنا توقفت عند الجملة.
المشكلة ليست في هذا الحرفي تحديدًا، ولا ألومه وحده، والله يرزقه ويزيده. والمشكلة بالتأكيد ليست في أن بعض الناس مقتدرون، اللهم لا حسد، والله يزيدهم من فضله.
لكن السؤال الاقتصادي الذي يستحق النقاش هو:
هل أصبحت قدرة بعض الناس على الدفع هي التي تحدد سعر السوق للجميع؟
هناك من يبني أو يجدّد منزله ويسلّم المشروع كاملًا لمهندس أو مقاول، ولا يناقش كثيرًا في التفاصيل والأسعار. يدفع 8 أو 10 أو 12 دينارًا بدل خدمة كان سعرها أقل بكثير، لأنه قادر على الدفع.
بعد ذلك يصبح هذا السعر مرجعًا للحرفي:
فلان دفع لي 10، فلماذا أعمل عند غيره بـ5؟
ثم يسمع حرفي آخر بالسعر، فيرفعه هو أيضًا، وبعد فترة يصبح السعر الاستثنائي «سعر السوق»، رغم أن تكلفة العمل أو مدته أو إنتاجيته لم ترتفع بالنسبة نفسها.
هذه، برأيي، صورة من صور التضخم في أسعار الخدمات الحِرَفية؛ تضخم لا تصنعه فقط زيادة أسعار المواد أو الوقود أو الأدوات أو كلفة المعيشة، وإنما قد يصنعه أيضًا سلوك السوق نفسه.
والمشكلة أن من يدفع الثمن في النهاية ليس المقتدر.
يدفعه المواطن متوسط الدخل عندما يريد دهان بيته، والمتقاعد عندما يحتاج إلى إصلاح الحمام، والشاب عندما يريد تجهيز شقته، والأسرة عندما تحتاج إلى سباك أو كهربائي أو بليط.
وهنا لا يكفي أن نقول: «عرض وطلب» وننتهي.
إذا كان هناك نقص حقيقي في بعض الحرف، فعلينا أن نسأل عن الحل: هل نحتاج إلى فتح المجال أمام عمالة وافدة ماهرة ومنظمة في المهن التي تعاني نقصًا، بما يزيد المنافسة ويعيد التوازن إلى السوق؟ هل نحتاج إلى توسيع التدريب المهني وتشجيع شبابنا على دخول هذه المهن؟ وهل من المفيد أن تكون هناك أسعار استرشادية معلنة لأجور المهن والحرف، لا تسعيرة إلزامية، وإنما مرجع يستطيع المواطن من خلاله معرفة حدود السعر المعقول؟
أنا مع أن يربح الحرفي، ومع أن يكون دخله كريمًا ومحترمًا، وضد استغلاله أو بخس حقه.
لكنني أيضًا مع حق المواطن في سوق متوازن، تكون فيه الأجرة مرتبطة بالمهارة والجهد والوقت والكلفة، لا فقط بالسؤال: كم يستطيع هذا الزبون أن يدفع؟
لذلك أطرح الموضوع للنقاش، وليس لدي جواب نهائي:
هل أصبح لدينا تضخم حقيقي في أجور بعض الحِرَف؟
ومن المسؤول عنه؟
وهل الحل بالمنافسة والعمالة وتنظيم السوق والأسعار الاسترشادية، أم أن هناك حلولًا أخرى؟
لعل أهل الاختصاص والاقتصاد والمقاولات والحِرَف يعطوننا رأيهم، لأن المسألة لم تعد حالة فردية، بل أصبحت، كما أراها، ظاهرة تستحق الدراسة.