facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العياصرة .. ابن الطريق الطويل الذي جعل من العلم رسالة ومن المسؤولية ميدانًا


طارق الخوالده آل خطاب
05-09-2026 12:01 PM

بعض السير عندما تقرأها لا تتوقف كثيرًا عند المناصب التي وصل إليها صاحبها، بقدر ما تتوقف عند الطريق الذي سلكه حتى يصل إليها، وهذا بالضبط ما أشعر به عندما أتحدث عن عطوفة الأستاذ الدكتور نضال العياصرة، فالرجل لم يبدأ حياته من مكتب واسع، ولم تكن الطريق أمامه قصيرة أو سهلة، وإنما بدأ من ظروف يعرفها كثير من أبناء القرى والمدن الأردنية، ظروف كان فيها الوصول إلى المدرسة بحد ذاته جزءًا من التعب اليومي، وكان في سنوات دراسته يقطع قرابة خمسة كيلومترات مشيًا للوصول إلى مدرسته، في أيام الشتاء وتحت المطر والبرد والثلوج، ولم تكن قسوة الطريق سببًا في أن يتراجع أو يترك دراسته.

وقد نقرأ اليوم هذه التفاصيل في سطور قليلة، لكنها في الحقيقة تختصر الكثير من حياة الإنسان وشخصيته، فالطفل الذي اعتاد أن يمشي هذه المسافة من أجل أن يصل إلى مدرسته لا بد أن يتعلم منذ صغره أن الأشياء المهمة لا تأتي بسهولة، وأن من يريد أن يصل إلى مكان عليه أن يتحمل الطريق إليه، وربما كانت تلك السنوات هي البداية الحقيقية لشخصيته العصامية، والصبر الذي رافقه في مراحل حياته اللاحقة.

كبر نضال العياصرة، وكبر معه طموحه، ولم يتوقف عند حدود ما هو متاح أمامه، فغادر الأردن إلى الخارج طلبًا للعلم، ودرس في بيلاروسيا في جامعة منسك، وتخصص في مجال المكتبات والتوثيق، ثم واصل دراسته حتى حصل على الدكتوراه في علم المكتبات والمعلومات، لكن الأجمل في تلك المرحلة أن حياته في الغربة لم تكن حياة طالب ينتظر انتهاء سنوات الدراسة فقط، بل كان يعمل ويدرس في الوقت نفسه، ويتحمل جزءًا كبيرًا من مسؤولية حياته بنفسه.

وهذه بالنسبة لي من التفاصيل المهمة جدًا في سيرته، فالغربة وحدها تحتاج إلى قوة شخصية، فكيف إذا اجتمع معها العمل والدراسة والطموح للحصول على أعلى الدرجات العلمية؟ ومن هنا أعتقد أن وصف "الرجل العصامي" ليس مبالغة عندما نتحدث عن الدكتور نضال العياصرة، فهو رجل بنى نفسه بنفسه، وتقدم خطوة بعد خطوة، ولم يقفز فوق المراحل، وإنما عاش كل مرحلة من مراحل حياته وتعلم منها وأخذ منها ما ساعده في المرحلة التي بعدها.

وعندما عاد إلى الأردن، لم يعد بشهادة يعلقها على الجدار، بل عاد بعلم وتجربة أراد أن يضعهما في خدمة وطنه، فدخل ميدان التعليم الجامعي، وأصبح أستاذًا وباحثًا، وتدرج في العمل الأكاديمي والإداري، وتولى مواقع متعددة في الجامعات، وترأس أقسامًا، وتحمل مسؤوليات أكاديمية، ووصل إلى مواقع قيادية في مؤسسات التعليم العالي، وهنا لا بد من التوقف عند الأثر العلمي للدكتور نضال العياصرة في الأردن.

فالرجل أمضى سنوات طويلة من حياته في علم المكتبات والمعلومات، وهو من الأسماء التي كان لها حضور واضح في هذا التخصص أكاديميًا ومهنيًا، درّس أجيالًا من الطلبة، وقدم الأبحاث والدراسات، وشارك في مؤتمرات علمية عربية ودولية، وكتب وألّف في مجالات المكتبات والمعلومات والتوثيق وإدارة المعرفة وأخلاقيات المعلومات والتحول الرقمي.

ومن يعرف طبيعة علم المكتبات اليوم يعرف أنه لم يعد ذلك المفهوم البسيط الذي يعتقد البعض أنه يقتصر على ترتيب الكتب على الرفوف، فهذا العلم أصبح مرتبطًا بالمعلومة، والوثيقة، والأرشيف، وإدارة المعرفة، والتحول الرقمي، وحماية الذاكرة الوطنية، والوصول إلى المعلومة، وهي جميعها موضوعات أصبحت في قلب عمل المؤسسات الحديثة، ومن هنا كان أثر الدكتور نضال مهمًا في هذا المجال، لأنه كان من الذين ساهموا في خدمة علم المكتبات والمعلومات في الأردن ونقل خبراتهم فيه إلى الطلبة والمؤسسات.

وأعتقد أن أجمل أثر يمكن أن يتركه الأستاذ الجامعي لا يكون بعدد المناصب التي تولاها، وإنما بعدد الأشخاص الذين تعلموا منه وحملوا جزءًا من علمه إلى أماكن أخرى، فكل طالب درّسه ثم أصبح موظفًا أو باحثًا أو أكاديميًا أو مسؤولًا في مكتبة أو مركز معلومات هو امتداد لذلك الأثر العلمي، وهذا النوع من الأثر لا ينتهي بخروج الإنسان من قاعة المحاضرات، بل يبقى ممتدًا لسنوات طويلة.

بعد سنوات العمل الأكاديمي، جاءت مرحلة أخرى بدت وكأنها امتداد طبيعي لتخصصه عندما تولى مسؤولية المكتبة الوطنية، وفي رأيي من أجمل الأشياء أن يصل المتخصص إلى موقع يستطيع فيه أن يحول ما تعلمه في الكتب والجامعات إلى عمل حقيقي على أرض الواقع، وفي المكتبة الوطنية كان الدكتور نضال قريبًا من تخصصه وقريبًا من المشروع الثقافي الأردني في الوقت نفسه، فالحديث عن المكتبة الوطنية هو حديث عن ذاكرة دولة كاملة، عن الكتب والوثائق والصور والمخطوطات، وعن تاريخ يجب أن يحفظ للأجيال القادمة.

وخلال تلك المرحلة كان له حضور في تطوير العمل، ودعم الأرشفة والتوثيق والتحول الرقمي، وحماية الإنتاج الفكري، والانفتاح على الباحثين والمثقفين والجامعات، إضافة إلى اهتمامه بقضايا المعلومات وحق المواطن في الوصول إليها، وهي من الملفات المهمة في أي دولة حديثة، لأن المعرفة لم تعد ترفًا، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من بناء المؤسسات وصناعة القرار وحفظ تاريخ الدولة وذاكرتها.

ثم انتقل بعد ذلك إلى موقع أمين عام وزارة الثقافة، لتصبح مساحة العمل أوسع والمسؤولية أكبر، وهنا يظهر جانب آخر في شخصية الدكتور نضال أقدّره كثيرًا، فهو من المسؤولين الذين لا يتعاملون مع الوظيفة وكأنها ساعات دوام محددة، ومن يتابع طريقته في العمل يعرف أنه يحب أن يعرف التفاصيل، ويتابع الملفات، ويسأل عن سير العمل حتى في أيام العطل، ويطمئن إلى أن الأمور تسير كما يجب، وإذا كانت هناك فعالية أو مشروع أو عمل ميداني، تجده حريصًا على أن يكون قريبًا منه قدر الإمكان، يزور ويتابع ويسأل ويستمع.

والإدارة في رأيي ليست توقيعًا على كتاب ولا اجتماعًا خلف الأبواب المغلقة، الإدارة الحقيقية هي أن تعرف ماذا يحدث على الأرض، وأن تسمع من الموظف الذي يعمل، وأن تنزل إلى الموقع، وأن ترى المشكلة بعينك بدل أن تنتظر أن تصل إليك في تقرير، وهذه الروح الميدانية موجودة في شخصية الدكتور نضال، وهي من الصفات التي تعطي المسؤول قيمة حقيقية في موقعه.

ومن الصفات التي يعرفها عنه من تعامل معه أيضًا سياسة الباب المفتوح، وقد تبدو كلمة "الباب المفتوح" جملة تقال كثيرًا عن المسؤولين، ولكن تطبيقها الحقيقي ليس سهلًا، لأن أن يفتح المسؤول بابه للناس يعني أنه سيستمع إلى مشكلاتهم وشكاواهم وطلباتهم وهمومهم، وسيخصص جزءًا من وقته للناس بدل أن يغلق مكتبه ويكتفي بما يصله من كتب رسمية.

والدكتور نضال من الأشخاص الذين يحرصون على الاستماع إلى المواطنين والموظفين والمثقفين وأصحاب الحاجة، ويتابع ما يستطيع متابعته، ويسعى إلى المساعدة ضمن الأنظمة والإمكانات المتاحة، وأعتقد أن المواطن في كثير من الأحيان لا يريد المستحيل، أحيانًا يريد فقط مسؤولًا يسمعه باحترام، ويفهم مشكلته، ويحاول أن يساعده، وإذا لم يستطع أن يشرح له السبب دون أن يشعره بأنه مجرد رقم أو معاملة.

وهذا الجانب الإنساني في المسؤول يبقى أحيانًا أهم من كثير من القرارات، كما يعرف الدكتور نضال بكرمه وحسن ضيافته وقربه من الناس، والكرم عندي ليس فقط طعامًا يقدم أو مجلسًا يفتح للضيف، بل كرم الأخلاق أيضًا، أن تمنح من أمامك وقتك، وأن تستمع إليه، وأن تحترمه مهما كان موقعه، وأن تستقبل الناس بابتسامة، وألا تجعل المنصب يغير طبيعتك، وهذه كلها أشكال من الكرم لا تقل قيمة عن أي شيء آخر.

وحين أجمع تفاصيل مسيرته كلها معًا، أجد فيها قصة تستحق أن تحكى، طفل يمشي الكيلومترات إلى المدرسة تحت المطر والبرد والثلوج، ثم شاب يغادر وطنه إلى الخارج طالبًا للعلم، يعمل ويدرس في غربته، ويحصل على الدكتوراه، ثم يعود إلى الأردن، ويدخل الجامعات أستاذًا وباحثًا، ويدرّس الطلبة ويكتب وينشر ويشارك في بناء تخصصه، ثم ينتقل إلى العمل المؤسسي في المكتبة الوطنية، ومنها إلى موقع أمين عام وزارة الثقافة.

رحلة طويلة، لكن الرابط بين أولها وآخرها واضح، العمل، والعلم، والإصرار، والاعتماد على النفس، ولهذا عندما أقول إن الدكتور نضال العياصرة بنى نفسه بنفسه، فأنا لا أقولها من باب المجاملة، بل لأن مراحل حياته نفسها تقول ذلك.

ليس كل من يصل إلى موقع مهم تكون قصته ملهمة، لكن هناك رجالًا تكون الطريق التي قطعوها أهم من الموقع الذي وصلوا إليه، والدكتور نضال من هؤلاء، وأجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان عندما يصل إلى موقع المسؤولية أن يتذكر دائمًا البدايات، أن يتذكر الأيام التي كان فيها طالبًا، والغربة، والعمل، والتعب، وأن يبقى قريبًا من الإنسان البسيط، لأنه يعرف أن وراء كل باب يطرقه مواطن ربما تكون هناك قصة وتعب وحاجة.

كل التقدير والاحترام لعطوفة الأستاذ الدكتور نضال العياصرة على مسيرة علمية وأكاديمية وإدارية مشرفة، وعلى ما قدمه لعلم المكتبات والمعلومات، وللمكتبة الوطنية، وللحركة الثقافية والعلمية في الأردن، والاحترام الأكبر لكل إنسان صنع نفسه بنفسه، وبقي بعد النجاح متذكرًا الطريق الذي بدأ منه.

فالمناصب تتغير، والألقاب تزول مع الزمن، ولكن العلم الذي يتركه الإنسان، والطلبة الذين تعلموا على يديه، والعمل الذي أنجزه، والناس الذين وقف معهم، والكلمة الطيبة التي تركها في نفوس الآخرين، هي السيرة التي تبقى.

أسأل الله لعطوفة الدكتور نضال العياصرة دوام الصحة والتوفيق والعطاء، وأن يبقى قريبًا من الناس، حاضرًا في الميدان، وخادمًا للعلم والثقافة والوطن، وحفظ الله الأردن عزيزًا شامخًا، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ووفق كل صاحب علم وكل مسؤول مخلص يعمل من أجل رفعة الأردن وخدمة أبنائه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :