القواعد العسكرية الأردنية: ذاكرة المكان وتطور سلاح الجو
د. سعود الشرفات
05-09-2026 01:28 PM
* من الثورة العربية الكبرى إلى الحرب على الإرهاب والحرب الأمريكية–الإيرانية
مقال أولي قصير، على أمل استكمال الحديث في مقال تفصيلي أكثر لاحقاً.
ليست القواعد العسكرية الأردنية مجرد منشآت عسكرية تنتشر على خريطة المملكة، ولا مجرد مدارج تستقبل الطائرات وتؤمّن حركتها. إنها جزء من ذاكرة الدولة الأردنية، ومن قصة نشوء قوتها الجوية وتطور عقيدتها الدفاعية، كما أنها تعكس، في مواقعها ووظائفها، التحولات التي شهدها الأردن والمنطقة منذ بدايات تأسيس الدولة الحديثة عام 1921.
بدأت قصة الطيران في الأردن في ظروف ارتبطت بالحرب العالمية الأولى والثورة العربية الكبرى، ثم بالمجال الجوي الذي أنشأته بريطانيا في المنطقة. وظهرت مهابط ومطارات في مواقع صحراوية استراتيجية، من بينها الصفاوي والأزرق، ارتبط بعضها بالطيران العسكري والاستطلاع والنقل والبريد الجوي، قبل أن تتحول هذه المواقع تدريجياً إلى جزء من البنية العسكرية التي ورثها الأردن وطوّرها لاحقاً بما يخدم احتياجاته الوطنية.
ومع تأسيس الدولة وتطور مؤسساتها العسكرية، بدأ الانتقال من الاعتماد على البنية الجوية الموروثة إلى بناء قوة جوية أردنية. وكانت سنة 1948 محطة مهمة في بدء تدريب الطيارين الأردنيين، ثم تبلورت النواة العملياتية لسلاح الجو، إلى أن تأسس سلاح الجو الملكي الأردني رسمياً في 25 أيلول 1955، ليبدأ بعد ذلك مسار طويل من بناء القدرات والتحديث.
وتحتفظ قاعدة ماركا بواحدة من أبرز صفحات هذه الذاكرة. فقد ارتبط موقعها بالبنية الجوية البريطانية في بدايات القرن العشرين، ثم أصبحت مركزاً مهماً في مسيرة الطيران الأردني، قبل أن تتطور وظائفها مع تطور سلاح الجو الملكي. أما قاعدة المفرق، التي توسعت منشآتها خلال الخمسينيات، فقد أصبحت لاحقاً من أهم قواعد الطائرات المقاتلة، وتحولت إلى مركز للتدريب الجوي مع إنشاء كلية الملك حسين الجوية. وفي هذه المنطقة ارتبط اسم الطيار الأردني فراس العجلوني بذاكرة حرب حزيران 1967، بعد أن استشهد في الخامس من حزيران إثر عودته من مهمة قتالية.
أما الصفاوي، فقد ارتبطت مبكراً بتاريخ الطيران والبريد الجوي عبر طريق القاهرة–عمّان–بغداد، قبل أن يتحول الموقع لاحقاً إلى قاعدة جوية أردنية عُرفت باسم قاعدة الأمير حسن الجوية. وفي الأزرق، حيث يعود حضور الطيران إلى المراحل الأولى من تاريخ المنطقة، تطورت خلال سبعينيات القرن الماضي قاعدة جوية حديثة أصبحت لاحقاً قاعدة الشهيد موفق السلطي، نسبة إلى الطيار الأردني الذي استشهد في معركة السموع عام 1966.
ومع مرور الوقت، لم تعد القاعدة الجوية مجرد مكان لإيواء الطائرات. فقد أصبحت منظومة متكاملة تضم الطيران والعمليات والتدريب والصيانة والقيادة والسيطرة والاستطلاع والإنذار والإسناد اللوجستي. ومع تحديث سلاح الجو الملكي الأردني بعد حرب 1973 ودخول طائرات ومعدات أكثر تطوراً، تغيرت طبيعة هذه المنشآت وتوسعت أدوارها بما يتناسب مع تطور مفهوم الدفاع الجوي وحماية المجال الوطني.
وتأتي قاعدة الملك فيصل الجوية في الجفر ضمن هذا الامتداد الجغرافي والاستراتيجي، بما يوفره الموقع من عمق ومساحة وقدرات للتدريب والانتشار. كما ظهرت قواعد ومنشآت أخرى، مثل قاعدة الملك عبدالله الثاني الجوية، ضمن مراحل أحدث من تطوير البنية الجوية الأردنية، مع توسع مهام الطيران العمودي والنقل والاستطلاع والمراقبة الجوية واستخدام الطائرات غير المأهولة، خصوصاً في مراقبة الحدود ومواجهة التهريب والتسلل والتهديدات الإرهابية.
وهنا انتقل سلاح الجو الملكي الأردني من مفهوم الحرب التقليدية وحدها إلى منظومة أمنية أكثر تعقيداً. فقد شارك الأردن في الحرب على الإرهاب، ونفذ سلاح الجو الملكي عمليات قتالية واستطلاعية خارج الحدود ضمن التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، بالتوازي مع استمرار مهامه الأساسية في حماية الأجواء والحدود الأردنية. وأصبحت القواعد الجوية عقداً عملياتية تتداخل فيها مهام الدفاع الوطني مع متطلبات التعاون الأمني والعسكري الإقليمي والدولي.
لكن التطور الأهم في قراءة القواعد الأردنية اليوم يرتبط بالحرب الأمريكية–الإيرانية وما أحدثته من تغير في البيئة الأمنية المحيطة بالأردن. فالمملكة تقع في منطقة تتقاطع فيها خطوط الصراع الإقليمي والدولي، وأصبحت الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية جزءاً من التهديدات التي لا يمكن عزل آثارها عن المجال الجوي الأردني.
وفي هذا السياق، برزت مجدداً قضية الوجود العسكري الأمريكي في الأردن. وهنا تقتضي الدقة الفصل بين أمرين: السيادة الأردنية على أراضي المملكة ومنشآتها العسكرية من جهة، واستخدام القوات الأمريكية لبعض المرافق والمناطق المتفق عليها في إطار التعاون الدفاعي بين البلدين من جهة أخرى. فوجود قوات أمريكية أو استخدام منشأة عسكرية أردنية لا يعني انتقال السيادة عليها إلى الولايات المتحدة، كما أن إنكار هذا الوجود أو طبيعة الترتيبات الدفاعية القائمة لا يعكس الواقع.
وتزداد حساسية هذه المسألة عندما تدخل المنشآت الأردنية في خطاب أطراف الحرب، أو تظهر ادعاءات باستهداف مواقع تضم قوات أمريكية. عندها تتحول القاعدة من منشأة عسكرية داخل الأراضي الأردنية إلى نقطة تقاطع بين الجغرافيا والسياسة والتحالفات والأمن الوطني. ويصبح السؤال الأهم ليس فقط من يستخدم المنشأة، وإنما كيف يستطيع الأردن أن يحافظ على سيادته وأمنه، وأن يدير التزاماته الدفاعية وتحالفاته، من دون أن يتحول موقعه الجغرافي إلى مدخل لجرّه إلى صراعات لا يريد أن يكون طرفاً فيها.
إن تاريخ القواعد العسكرية الأردنية يكشف أن هذه المواقع كانت دائماً أكثر من مجرد بنية تحتية عسكرية؛ فقد واكبت نشوء الدولة وتطور سلاح الجو الملكي، وشهدت انتقال الأردن من الحروب التقليدية إلى مواجهة الإرهاب وحماية الحدود والتعامل مع تهديدات الصواريخ والمسيّرات. ومع تغير طبيعة الحرب، تغيرت وظائف هذه القواعد، وأصبحت جزءاً من شبكة أوسع تتداخل فيها متطلبات الدفاع الوطني مع التحالفات والتعاون العسكري الإقليمي والدولي.
وفي هذه المعادلة، يظل التحدي الأردني الأساسي هو إدارة الجغرافيا بما تفرضه من مخاطر وفرص، والحفاظ على الأمن والسيادة والقرار الوطني في إقليم تتقاطع فوقه وتحت سمائه صراعات متعددة. ومن هنا تكتسب القواعد العسكرية الأردنية معناها الحقيقي: فهي ذاكرة لتطور الدولة وقوتها، وفي الوقت نفسه جزء من حسابات أمنها ومستقبلها.
وما سبق ليس إلا مدخلاً لقراءة أكثر تفصيلاً ستتوقف عند كل قاعدة، وتقرأ تاريخها ووظيفتها وموقعها في معادلة الأمن والسيادة الأردنية في زمن الحرب الجديدة.
* مدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب – عمّان، الأردن