facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عندما يصبح لك توأم رقمي .. من سيُحاسَب إذا ارتكب جريمة باسمك؟


م. هاني محمود البطش
05-09-2026 05:13 PM

تخيل أن تستيقظ صباحًا، تفتح هاتفك، فتكتشف أن يومك الرقمي بدأ قبل أن تستيقظ.

فاتورة الكهرباء دُفعت.

حسابك البنكي تمت مراجعته.

تأمين سيارتك جُدّد.

موعد طبي حُجز.

طلب حكومي قُدّم.

عرض من شركة اتصالات تم التفاوض عليه.

وعقد تمت مراجعته وربما توقيعه.

والأغرب من ذلك كله أنك لم تفعل شيئًا من هذه الإجراءات.

نسختك الرقمية فعلت.

قد يبدو المشهد للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال العلمي، لكنه يعكس اتجاهًا تقنيًا يتشكل أمامنا بالفعل. فالذكاء الاصطناعي ينتقل تدريجيًا من أنظمة تجيب عن الأسئلة إلى وكلاء قادرين على التخطيط وتنفيذ سلسلة من المهام والتفاعل مع الأنظمة والأدوات نيابة عن المستخدم. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن هذه المرحلة تفتح أسئلة جديدة حول الهوية والصلاحيات والأمن والمساءلة.

عندما لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة

في البداية، قد يكون “التوأم الرقمي” مجرد نسخة رقمية تعرف بعض معلوماتك وتفضيلاتك.

ثم يبدأ بالتعلم منك.

يعرف نمط إنفاقك.

يعرف مواعيدك.

يعرف الخدمات التي تستخدمها.

يعرف الشركات التي تتعامل معها.

يعرف تفضيلاتك.

وقد يتعلم كيف تتخذ قراراتك.

ومع تطور نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي والذاكرة والوكلاء الذكيين، قد يصبح هذا التوأم قادرًا ليس فقط على معرفة ما تريده، وإنما التنبؤ بما قد تريده وتنفيذ بعض الإجراءات نيابة عنك.

وهنا تبدأ المرحلة الأكثر حساسية.

أن تمنح نسختك الرقمية صلاحية التصرف باسمك.

عندها لن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد برنامج تستخدمه، بل قد يصبح وكيلًا رقميًا يمثل مصالحك ويتفاعل مع وكلاء وأنظمة أخرى.

وكيلك يتحدث مع وكيل البنك.

ويتفاوض مع وكيل شركة التأمين.

ويتفاعل مع منصة حكومية.

ويقارن الأسعار.

ويحجز الخدمات.

ويراجع العقود.

وربما ينفذ معاملات مالية.

وقد يصبح جزء من حياتك الرقمية يُدار دون أن تتدخل أنت في كل خطوة.

وهنا يظهر السؤال الذي قد يصبح من أصعب أسئلة العصر الرقمي:

إذا كان وكيلك الرقمي يتصرف باسمك، فهل كل ما يفعله يُعتبر أنك أنت من فعلته؟

ماذا لو أخطأ التوأم الرقمي؟

لنتخيل السيناريو الأكثر إثارة للقلق.

لديك وكيل رقمي يمتلك صلاحية الوصول إلى حسابك البنكي.

تلقى تعليمات خبيثة من صفحة إلكترونية.

أو تعرض لهجوم سيبراني.

أو استُغلت إحدى واجهات البرمجة التي يستخدمها.

أو تعرض لعملية Prompt Injection أدت إلى تغيير طريقة تعامله مع المعلومات.

أو ببساطة أساء تفسير تعليماتك.

وفي دقائق، قد يقوم بعملية مالية لم تكن تقصدها، أو يرسل مستندًا حساسًا، أو يوافق على شروط عقد، أو ينفذ إجراءً لدى جهة حكومية.

هنا تتغير الأسئلة بالكامل.

من المسؤول؟

هل هو صاحب الحساب؟

أم مطور الذكاء الاصطناعي؟

أم الشركة التي وفرت الوكيل؟

أم الجهة التي سمحت له بالوصول إلى النظام؟

أم مزود الخدمة السحابية؟

أم المهاجم الذي تمكن من التلاعب به؟

أم أن المسؤولية يجب أن تتوزع بين أكثر من طرف؟

هذه ليست أسئلة نظرية بالكامل. فالمنتدى الاقتصادي العالمي يناقش صراحةً تحديات المسؤولية عندما يتخذ الوكيل إجراءات نيابة عن الإنسان، كما يحذر من أن زيادة استقلالية الوكلاء تخلق مخاطر جديدة في الأمن والحوكمة والمساءلة.

المشكلة الأخطر: قد ينفذ الوكيل طلبك.. ولكن ليس بالطريقة التي قصدتها

تخيل أنك قلت لتوأمك الرقمي:

“ابحث عن أفضل عرض تأمين لسيارتي.”

سيبدأ الوكيل بالبحث والمقارنة والتفاوض.

لكنك كنت تقصد “أرخص عرض مناسب”.

بينما فهم الوكيل كلمة “الأفضل” على أنها “أكثر تغطية وتأمينًا”.

اختار العرض الأكثر شمولًا.

وقّع.

ودفع.

وانتهت العملية.

لكنها لم تكن النتيجة التي كنت تقصدها.

فمن أخطأ؟

هل أخطأت أنت لأنك لم تحدد التعليمات بشكل كافٍ؟

أم أخطأ الوكيل في تفسير نيتك؟

أم أن الخطأ في تصميم النظام؟

أم في النموذج الذكي؟

أم أن النظام نفذ التعليمات حرفيًا، وبالتالي لم يرتكب أي خطأ تقني؟

هذه هي المنطقة الرمادية التي ستضع المشرّعين أمام تحديات غير مسبوقة.

لأننا ننتقل من عالم كانت فيه النية والقرار والتنفيذ مرتبطة غالبًا بإنسان واحد، إلى عالم يمكن أن تتوزع فيه العملية بين الإنسان والوكيل والنظام والمنصة والجهة المستقبلة.

ربما نحتاج إلى “هوية للآلة”

في عالم البشر، لدينا هوية وطنية وجواز سفر وتوقيع وحسابات مصرفية.

لكن في عالم الوكلاء الذكيين، قد نحتاج إلى مفهوم جديد:

هوية رقمية للوكيل.

من هو؟

لمن يعمل؟

من منحه الصلاحية؟

ماذا يُسمح له أن يفعل؟

ما الحد المالي لصلاحياته؟

ما مدة هذه الصلاحية؟

ما البيانات التي يستطيع الوصول إليها؟

ومتى يجب إيقافه؟

وكل عملية ينفذها يجب أن تكون قابلة للتتبع والتدقيق.

وهذه ليست مجرد فكرة مستقبلية بعيدة. فالمنتدى الاقتصادي العالمي يناقش اليوم مفهوم الهويات غير البشرية (Non-Human Identities)، التي تشمل الحسابات والرموز والوكلاء البرمجيين الذين يتفاعلون مع الأنظمة نيابة عن البشر أو المؤسسات.

كما بدأ النقاش يتجه إلى ضرورة معرفة من هو الوكيل، ولمن يعمل، وما الذي يُسمح له بفعله، وكيف تتم مساءلته عن كل إجراء.

وماذا لو امتلك المجرم توأمًا رقميًا؟

هنا يصبح المستقبل أكثر إثارة للقلق.

اليوم يحتاج المهاجم إلى وقت ومهارة وربما فريق كامل لتنفيذ عملية احتيال واسعة.

لكن ماذا لو امتلك وكيلًا ذكيًا؟

وكيل يستطيع البحث عن الضحية.

تحليل سلوكها.

جمع المعلومات المتاحة عنها.

صياغة رسائل مختلفة.

التفاعل معها.

تغيير أسلوبه بناءً على ردودها.

وإجراء آلاف المحاولات في وقت قصير.

والعمل على مدار الساعة.

عندها قد لا يكون المجرم جالسًا أمام الحاسوب ينفذ كل خطوة.

قد يكون هناك وكيل يعمل بدلًا منه.

والأكثر إثارة أن الطرف الآخر قد يمتلك وكيلًا أيضًا.

مجرم لديه وكيل.

بنك لديه وكيل.

شركة لديها وكيل.

حكومة لديها وكيل.

وملايين البشر لديهم وكلاء.

وهكذا قد نصل إلى عالم لا يتواصل فيه البشر فقط مع الآلات، بل تبدأ الآلات نفسها بالتفاوض والتعامل مع بعضها نيابة عن البشر والمؤسسات.

وقد بدأ المنتدى الاقتصادي العالمي بالفعل في مناقشة ما يسميه بعض الباحثين والجهات Agentic Economy؛ اقتصادًا تصبح فيه الوكلاء قادرين على تنفيذ عمليات شراء وتفاوض ومعاملات مع وكلاء آخرين.

كيف سنعرف من يقف خلف الشاشة؟

هنا تظهر معضلة أخرى.

عندما يصلنا بريد إلكتروني، أو رسالة، أو عرض تجاري، أو طلب دفع، قد لا نعرف مستقبلًا هل الطرف الآخر إنسان أم وكيل ذكاء اصطناعي يعمل نيابة عن إنسان.

فإذا كان الوكيل يستطيع التفاوض والشراء والتوقيع والتعامل مع الأنظمة، فإن مفهوم “من نتعامل معه؟” سيحتاج إلى إعادة تعريف.

لن يكفي أن نعرف اسم الحساب.

سنحتاج إلى معرفة:

من يملك الوكيل؟

من فوّضه؟

ما الصلاحيات التي يمتلكها؟

هل ما زال يعمل ضمن تلك الصلاحيات؟

وهل يمكن إثبات أن العملية تمت فعلًا بواسطة ذلك الوكيل؟

وهذا يعني أننا قد نحتاج إلى طبقة جديدة من الثقة الرقمية، تقوم على التحقق من هوية الوكيل وصلاحياته وسجل أفعاله، وليس فقط التحقق من هوية الإنسان الذي يقف خلفه.

السؤال الذي يجب أن يسبق التكنولوجيا

المشكلة ليست في أن تصبح الآلات أكثر ذكاءً.

بل في أن تصبح أكثر استقلالية وأكثر قدرة على التصرف.

فكلما ازدادت قدرة الوكيل، ازدادت حاجته إلى ضوابط واضحة.

وكلما اتسعت صلاحياته، أصبح من الضروري معرفة حدود تلك الصلاحيات.

وكلما أصبح قادرًا على التعامل مع المال والبيانات والعقود والخدمات الحكومية، أصبحت مسألة المسؤولية القانونية أكثر إلحاحًا.

ولهذا فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يعتمد فقط على تطوير نماذج أكثر ذكاءً، بل على بناء منظومة متكاملة من الهوية الرقمية، وإدارة الصلاحيات، والمراقبة، والتدقيق، والأمن السيبراني، وحماية البيانات، والتشريعات.

فالمنتدى الاقتصادي العالمي يحذر من أن الوكلاء الذين يحصلون على صلاحيات واسعة يمكن أن يصبحوا نقطة ضعف جديدة إذا لم تُضبط هوياتهم وصلاحياتهم ومراقبتهم بشكل مناسب.

والمفارقة التي قد نكتشفها متأخرًا

قد يأتي يوم لا يكون فيه السؤال الأهم:

هل الذكاء الاصطناعي ذكي؟

بل:

لمن يعود هذا الذكاء الاصطناعي؟

من منحه هويته؟

من أعطاه صلاحياته؟

من يراقبه؟

من يستطيع إيقافه؟

ومن يتحمل نتائج أفعاله؟

لأن الخطر الحقيقي ليس أن تصبح الآلة ذكية.

الخطر أن تصبح الآلة ذكية… ومخولة بالتصرف.

عندها لن نتعامل مع برنامج ينتظر أوامرنا، بل مع وكيل رقمي يتصرف باسمنا، وربما قبل أن نقرر نحن ما الذي نريد فعله.

وعند تلك اللحظة، قد يضطر المشرّعون إلى إعادة النظر في مفاهيم بدت ثابتة لعقود:

الهوية.
التوقيع.
الوكالة.
الملكية.
المسؤولية.
والجريمة الرقمية.

وربما يكون السؤال الأكثر إثارة للقلق:

إذا ارتكب توأمك الرقمي فعلًا غير مشروع دون أن تطلب منه ذلك… فهل ستكون أنت المسؤول؟ أم ستكون أنت أيضًا ضحية؟

قد يبدو السؤال اليوم مستقبليًا.

لكن التكنولوجيا التي ستجعل هذا السؤال ممكنًا بدأت بالفعل في الظهور.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :