تصفير الأخلاق: حين تصبح دماء غزة ولبنان وقوداً لصناديق الاقتراع
مجد جلال عباسي
06-09-2026 07:46 PM
جاءت الأديان السماوية وحتى الفلسفة الأخلاقية عبر تاريخها – من سقراط وصولاً إلى إيمانويل كانط – إلى إرساء قاعدة أساسية: "الإنسان غاية في ذاته، وليس مجرد وسيلة". لقد حاولت الفلسفة وضع كوابح عقلانية وإنسانية تمنع طغيان القوة على الحق، وتحمي الحياة البشرية من أن تتحول إلى مجرد أرقام في حسابات السياسة.
لكن المشهد الدموي الممتد من قطاع غزة إلى جنوب لبنان، يضع هذه الفلسفة أمام سقوطها المروع في وحل المصالح السياسية، حيث نشهد اليوم ما يمكن تسميته بـ "تصفير الأخلاق"؛ وهو الحالة التي تتجرد فيها القرارات من أي وزن إنساني أو قانوني، ليصبح بقاء سياسي واحد أهم من حياة شعوب بأكملها.
في صلب الفلسفة الأخلاقية، يُعدّ استخدام أرواح البشر لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية أعلى درجات الانحطاط الأخلاقي. ما يحدث اليوم في غزة وجنوب لبنان هو تجسيد صارخ لهذا الانحطاط.
لقد أثبتت مسارات الحرب أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يخوض معركة "بقاء شخصي" في المقام الأول. لتجنب المحاسبة السياسية والقانونية في الداخل، ولإرضاء قاعدته الانتخابية من اليمين المتطرف، يتم استرخاص مئات الآلاف من الأرواح. في هذه المعادلة، لم يعد المدنيون في غزة أو لبنان بشراً ذوي حقوق، بل تحولوا في العقل السياسي الإسرائيلي إلى "أدوات" و"رسائل" دموية تُرسل لطمأنة الناخب المتشدد بأن القيادة قادرة على سحق الآخر بلا هوادة.
مفهوم "تصفير الأخلاق" لا يعني مجرد ارتكاب أخطاء أو تجاوزات في سياق الحرب، بل يعني الإلغاء المنهجي للقيمة البشرية للطرف الآخر.
عندما يتم تصفير الأخلاق:
1.تفقد الأرقام معناها- مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمفقودين لا يحركون ساكناً في الضمير السياسي المأزوم، بل يُنظر إليهم كـ "أضرار جانبية" مبررة.
2.الإبادة كأداة انتخابية: يصبح استمرار القصف وتوسيع رقعة الحرب (نحو لبنان) ضرورة تكتيكية لمنع سقوط الائتلاف الحاكم، حيث يُستبدل الواجب الأخلاقي لحماية المدنيين بالواجب النفعي للبقاء في السلطة.
3.يُعاد تعريف "الانتصار": لا يُقاس النصر بتحقيق سلام أو أمن مستدام، بل بمدى الدمار الذي يمكن إلحاقه بالآخر لإشباع غريزة الانتقام لدى الجمهور الناخب.
إن مأساة "تصفير الأخلاق" لا تقتصر على الفاعل المباشر الذي يضغط على الزر، بل تمتد لتشمل النظام العالمي الذي يشاهد هذه المذبحة. الفلسفة النفعية التي تُقيّم الأفعال بنتائجها، تبدو حاضرة بقوة في صمت العواصم الكبرى؛ فالمصالح الجيوسياسية، وصفقات السلاح، والتحالفات الاستراتيجية، طغت على أبسط البديهيات الأخلاقية التي تأسس عليها القانون الدولي الإنساني.
إن ما يجري في غزة وجنوب لبنان ليس مجرد أزمة سياسية أو صراع عسكري، بل هو أزمة وجودية للفلسفة الأخلاقية الحديثة. عندما ينجح سياسي مثل نتنياهو في تحويل جثث الأطفال وأنقاض المدن إلى رصيد يُضاف في صناديق الاقتراع دون أن يوقفه العالم، فإننا لا نشهد فقط تدميراً لشعوب بأكملها، بل نشهد إعلاناً رسمياً بوفاة "الضمير الإنساني المشترك"، وتأكيداً على أن الأخلاق في عصرنا هذا يمكن، بكل بساطة، "تصفيرها".