هناك كتّاب يختارون فناً واحداً ، فيقيمون فيه ، ويشيّدون عالمهم حوله ، حتى يصبح اسمهم مقترناً بجنس أدبي بعينه ، وهناك كتّاب لا تكفيهم نافذة واحدة على الحياة لتروي شغفهم ، فيفتحون نوافذ كثيرة ، لأن الإنسان في داخلهم أوسع من أن تختصره القصة أو الرواية أو القصيدة أو المسرح ؛ ومن هذا الصنف تبدو تجربة الدكتورة « سناء شعلان » ؛ فهي لم تتعامل مع الأدب باعتباره جنساً واحداً ، وإنما باعتباره فضاءً رحباً للمعرفة والتجربة والأسئلة .
في تجربة « الشعلان » نجد القصة القصيرة والرواية والمسرح وأدب الأطفال والكتابة النقدية والدراسات الأكاديمية والمقالات ، إلى جانب مشاركات ثقافية واسعة ؛ وقد وصفت مصادر صحفية تجربتها بأنها تمتد إلى عشرات الأعمال في النقد والرواية والقصة والمسرح وأدب الأطفال والدراسات الأكاديمية .
لكن قيمة هذا التعدد ليست في كثرة العناوين وحدها ؛ فالكاتب لا يصبح كبيراً لأنه كتب كثيراً ، وإنما لأنه يستطيع أن يحمل روحه وأسئلته ومعرفته من جنس أدبي إلى آخر ، دون أن يفقد صوته .
وقد تكون الرواية التي تكشف جانباً مهماً من هذه المغامرة هي « أعشقني .. » ، التي دخلت بها الدكتورة « شعلان » إلى منطقة الخيال العلمي ، مستثمرة الزمن والعالم الافتراضي والتقدم العلمي والاتصالات ومواقع التواصل ، في تجربة لا تجعل العلم زخرف للرواية ، بقدر ما هو جزءاً من بنائها ورؤيتها ؛ وقد تناول نقاد كبار تجربتها في الخيال العلمي بوصفها خروجاً عن محدودية الكتابة العربية في هذا المجال .
إنّ اللافت عند الكاتبة أن الخيال العلمي لم يبقَ محصوراً في الرواية ؛ فقد امتد إلى كتابتها للأطفال ومسرح الطفل أيضاً ؛ وفي أعمال مثل « أصدقاء ديمة » يتجاور الخيال العلمي مع الفضاء والزمن والاكتشافات العلمية والتنبؤ بالمستقبل ، فيما توظف مسرحية « اليوم يأتي العيد » الخيال العلمي والقفز بين الأزمنة والعوالم المتجاورة في بناء حكاية تحمل أبعاداً تربوية وإنسانية .
هنا تظهر واحدة من أجمل خصائص تجربة « سناء شعلان » : أنها لا تنظر إلى الطفل باعتباره قارئاً صغيراً ، وإنما إنساناً في طور التشكل ؛ لذلك لم يكن أدب الطفل عندها هامشاً في مشروعها ، إنما مجالاً قائماً بذاته ؛ كتبت القصة والرواية والمسرحية للطفل ، واستحضرت شخصيات من التراث العربي والإسلامي ، واشتغلت على قضايا إنسانية وتربوية ، كما تناولت موضوعات ذوي الاحتياجات الخاصة ؛ كما أنّ تجربتها في هذا المجال أصبحت موضوعاً لأطروحة دكتوراه في الهند ، تناولت رؤيتها وتشكيلها لأدب الأطفال والخيال العلمي والقيم الإنسانية والأخلاقية في أعمالها .
أما المسرح ، فهو وجه آخر من وجوه هذه المغامرة ، فقد كتبت وأخرجت عدداً من النصوص المسرحية ، ومنها « يُحكى أن » ، و« 6 في سرداب » ، و« عيسى بن هشام مرة أخرى » وغيرها ، ومثّلت بعض أعمالها على خشبات المسرح ، وحصل نص « يُحكى أن » على جائزة أفضل نص مسرحي في مهرجان فيلادلفيا التاسع للمسرح العربي .
غير أن وراء هذه المسيرة كلها حكاية أخرى ؛ حكاية امرأة كانت تقف في الخلف ، لتدفع ابنتها إلى الأمام .
إنها « نعيمة المشايخ » .
ربما لا يستطيع المرء أن يفهم سناء شعلان تماماً إذا قرأ كتبها وحدها ، ولم يقرأ شيئاً عن أمها « نعيمة » ، فقد كانت « نعيمة » أكثر من أم ؛ كانت رفيقة الطريق ، والمؤمنة الأولى بالموهبة ، والصديقة ، والسند ، والشخص الذي رأى في الطفلة ما لم يكن الآخرون قادرين على رؤيته .
تحكي سناء أن أمها ، وهي طفلة لم تتجاوز العاشرة ، وفّرت لها آلة كاتبة وأوراقاً ، وساعدتها على إرسال رواية طويلة إلى مسابقة في مصر ، رغم أن شروط المسابقة كانت في الحقيقة للكبار ؛ لم تكن الأم تعرف أن ابنتها ستصبح ذات يوم أديبة معروفة ؛ لكنها فعلت ما يفعله الإيمان الحقيقي بالمواهب : آمنت بابنتها قبل أن تأتي الشهادة .
هكذا لم تكن « نعيمة المشايخ » مجرد امرأة أنجبت كاتبة ؛ لقد كانت ، في جانب عميق من الحكاية ، شريكة في صناعة الكاتبة .
لذلك يبدو اسم « سناء الشعلان بنت نعيمة » أكثر من تعريف عائلي ؛ لقد اختارت « سناء » أن تجعل اسم أمها جزءاً من اسمها الأدبي ، بعد رحيلها ، حتى لا يسمح للغياب بأن يمحو الاسم الذي كان حاضراً في كل مراحل تكوينها ؛ وقد شرحت بنفسها أن اقتران اسم أمها باسمها جاء رغبة في تخليدها ، لأنها رأت أن أمها تركت أثرها في روحها كما تركت هي أثرها في الحياة .
ثم جاء الموت ؛ رحلت « نعيمة المشايخ » في 12 سبتمبر 2021 بعد صراع مع المرض ، وكان رحيلها بالنسبة إلى « سناء » ليس فقداً عابراً ، وإنما انكساراً في بنية الحياة نفسها ؛ فقد رحلت المرأة التي كانت الأم والصديقة والرفيقة والسند ؛ وقد انعكس هذا الفقد في كتابتها وفي علاقتها بالذاكرة ، حتى صار استحضار الأم نوعاً من مقاومة النسيان .
وإنّ أبلغ ما فعلته « سناء » أنها لم تترك أمها للموت وحده ؛ حوّلت غيابها إلى كتابة ؛ وفي 2025 صدر كتاب « نحبك يا نعيمة » الذي جمعته وأعدته « سناء » وفاءً لذكرى والدتها ، وحمل شهادات كثيرة في حياتها وأثرها ؛ وهنا ربما يمكن أن نفهم شيئاً من سر هذه التجربة .
« سناء شعلان » ؛ نموذج للكاتبة التي لم تكتفِ بأن تكون امرأة تكتب ، بل أرادت أن تكون كاتبة كاملة الأدوات ؛ اقتحمت الرواية ، وغامرت في الخيال العلمي ، وكتبت للمسرح ، وخاطبت الطفل ، واشتغلت في النقد والدراسة ، وخاضت أسئلة المرأة والإنسان والوطن والذاكرة ؛ وكانت جرأتها على الكتابة تسير إلى جانب ثقافة واسعة صقلت هذه الجرأة ، حتى لا تتحول الجرأة إلى مجرد صخب ، ولا تتحول الثقافة إلى مجرد تراكم معرفي بارد .
الكتابة الجريئة وحدها قد تصنع ضجيجاً، والثقافة وحدها قد تصنع كاتباً بارداً؛ أما حين تلتقي الجرأة بالمعرفة ، والتجربة بالخيال ، والموهبة بالاشتغال الطويل ، فإن شيئاً آخر يولد: صوت الكاتب .
ربما لهذا لا تبدو « سناء شعلان » مجرد امرأة اختارت الأدب مهنة أو هواية ؛ بقدر ما تبدو امرأة جعلت من الأدب طريقة في مقاومة الحياة .
وراء الكاتبة التي تقف اليوم أمام القارئ روايةٌ أخرى لا تُقرأ في الكتب : طفلة أمسكت بالقلم، وأمٌّ آمنت بها ، وامرأة كبرت وهي تحمل أمها في ذاكرتها، ثم فقدتها، فقررت ألا تسمح للموت أن يأخذها كاملة .
لذلك، حين نقرأ اسم « سناء الشعلان بنت نعيمة »، قد لا نكون أمام اسم كاتبة فحسب؛ بل أمام حكاية أمٍّ تركت ابنتها تمشي في طريق الأدب، ثم غابت عن الطريق … فواصلت الابنة المشي، وهي تحمل ظلّها معها؛ ام أمنت بطفلتها قبل أن تدرك الشهادات ، وقرأت ما يدور في ذهنها قبل أن يكون لها كتب وروايات « ابنة نعيمة » ليست نسبةً إلى الأم، وإنما هويةً أدبية وإنسانية ؛ فكلما اتسعت تجربة « سناء شعلان »، ظل في داخلها شيء من تلك الطفلة التي آمنت بها نعيمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.