قال دوستويفسكي فيالإخوة كارامازو" قبل كل شيء، لا تكذب على نفسك، فالإنسان الذي يكذب على نفسه ويُنصِت إلى كذبه يصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها تمييز الحقيقة في داخله".
لربما الاديب الروسي لم يكن يتخيل عالماً فيه هاتف ذكي ومنصات اجتماعية وخوارزميات، لكنه أدرك بالخبرة الانسانية والفطرة بأن الإنسان يستطيع أن يكرر ما يريد تصديقه حتى تصبح المسافة بين الحقيقة وما صنعه في ذهنه من وهم، ضيقة جداً، ليصبح الكاذب شخص يكذب بصدق كبير.
الكذب في عالم الإنترنت، وأعطيناه مصطلحات رومانسية مثل تزييف الحقيقة وتضليل الواقع، سببه أن البعض يميل سريعاً إلى إتهام المنصات والخوارزميات والحسابات الوهمية والذكاء الاصطناعي بأنها مرغوبة وتضاعف سرعة انتشار المعلومة وبالتالي أرقام المتابعات، ولكن دراسة مهمة نشرها باحثون من MIT في مجلة Science عام 2018 تعيد جزءاً كبيراً من المسؤولية إلينا نحن.
فد حلل الباحثون نحو 126 ألف قصة إخبارية تداولها قرابة ثلاثة ملايين شخص على تويتر، ووجدوا أن الأخبار الكاذبة كانت أكثر احتمالاً لإعادة النشر بنسبة 70 في المئة، وأنها وصلت إلى 1500 شخص أسرع بنحو ست مرات من الأخبار الصحيحة، كما وجدوا أنها أثارت من الأحيان مشاعر مثل المفاجأة والخوف والاشمئزاز بدرجة أكبر.
والمفاجئة المحزنة هي بأن إزالة الحسابات الآلية من التحليل لم تغيّر النتيجة الأساسية بأن الاشخاص كانوا عاملاً رئيسياً في جعل الكذب أسرع من الحقيقة.
المنصات على اختلافها قد تسرّع الكذبة، والخوارزمية قد تكافئ المثير، لكن أنت وأنا من يضغط زر "المشاركة"، ومع الوقت الخوارزمية تدرك وتتعلم طباع البشر وتعرف ما يشجع إصبعنا على الشاشة وعلى رأس هذه الاخبار المتناقلة هو الخبر الصادم و أخبار الفضائح والمعلومة المثيرة والجملة التي تتلاعب في مشاعر كبيرة من الغضب، وكلما تفاعلنا معها تعلّمت المنصة أن تقدم لنا المزيد منها لان الخوارزميات تدرسنا وتراعي رغباتنا.
قد لا نكذب دائماً للحصول على المال أو لخداع شخص بصورة متعمدة، أحياناً تكون دوافعنا أصغر وأكثر إنسانية بأن نريد مثلاً أن نبدو أكثر نجاحاً، أو أكثر معرفة، أو أكثر أهمية، أو أن نثبت أن موقفنا كان صحيحاً منذ البداية.
تعرّفت مؤخراً إلى صديقة قالت لي إنها في محاولة جادة في التوقف عن الكذب على نفسها، لأن هذا الكذب لم يعد مجرد صورة محسّنة على الشاشة، بل بدأ ينعكس سلباً على شخصيتها ونظرتها إلى ذاتها.
وكما أسرّت لي، كانت عندما تصوّر فيديو على «إنستغرام» تستخدم فلتراً يجمّل ملامح وجهها، ويمنح عينيها لوناً مختلفاً، ويجعل بشرتها وتفاصيل وجهها أكثر جمالاً، لدرجة المبالغة، ومع مرور الوقت، بدأت تشعر أن الصورة التي تقدمها للآخرين تبتعد شيئاً فشيئاً عن صورتها الحقيقية، وأن ذلك بدأ يؤثر على نفسيتها وعلى ثقتها بنفسها. لذا، بدأت تدريجياً في التخفيف من استخدام الفلاتر في محاولة أن تكون أكثر صدقاً مع نفسها، وإن أبقت على بعض التفاصيل الجمالية، مثل العدسات اللاصقة الزرقاء كعامل جذب، مع فلتر خفيف يجعل صورتها أقرب إلى شكلها الطبيعي.
ولهذا لا يكون الكذب على الإنترنت دائماً اختراع واقعة كاملة، قد يكون صورة مختارة بعناية لتبدو الحياة مثالية، سيرة مهنية نضخم فيها دوراً قمنا به أو خبراً ننقله لأن عنوانه يخدم رأينا أو معلومة لا نتحقق منها لأننا نريدها أن تكون صحيحة.
ما التكنولوجيا التي بين أيدينا إلا أداة ضخمة تضخم ما نحمله أصلاً من دوافع الرغبة في الظهور أو في الانتماء أو حتى في إقناع الآخرين أوفي إثبات أننا على حق.
والأخطر من ذلك أننا نعطي للكذبة تبرير فنقول «الجميع يفعل ذلك» أو «أنا فقط نقلت الخبر» أو نقلل من أهمية الكذب و نقول "الأمر ليس مهماً".
وعودة الى الكاتب الروسي الشهير دوستويفسكي الذي تنبه لمرض الكذب وواجه الذين يتقنونه بصدق وجعلني أكتب هذه المقالة لاني تسألت ما الذي نخشاه عندما نكذب أو ننقل الكذب أكان في صورة أو فيديو قصير؟ هل نخاف من مواجهة حقيقة ذواتنا لذلك نكذب؟
وتبقى الحقيقة هي بأن الخوارزميات تستطيع أن تمنح الكذبة مساحة واسعة، لكنها لا تستطيع أن تضغط زر «المشاركة» بدلاً منا.