ما زال الأردن مستهدفاً من قوى إقليمية ومشاريع سياسية تعمل، كلٌ وفق أدواته وأهدافه، على الضغط عليه والتأثير في أمنه ومواقفه ووحدته الوطنية.
وليس غريباً أن نجد في الفضاء الإلكتروني وبعض وسائل الإعلام حملات متكررة للتشكيك بالدولة الأردنية ومؤسساتها ومواقفها، ومحاولات لإثارة الانقسام في وطن يؤمن شعبه بكيانه ويحافظ عليه بأهداب العيون.
فمن جهة، لا يمكن النظر إلى ما يصدر عن اليمين الإسرائيلي المتطرف باعتباره مجرد تصريحات عابرة.
فقد وصلت المواقف إلى الحديث العلني عن ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية ورفض قيام الدولة الفلسطينية، إلى جانب تأييد مشاريع تهجير الفلسطينيين خارج أرضهم.
وهذه الطروحات تمس الأردن بصورة مباشرة، لأن تصفية القضية الفلسطينية على حساب دول الجوار، أو تغيير الواقع الديمغرافي والسياسي في الضفة الغربية، يمثل تهديداً للمصالح الوطنية الأردنية ولحل الدولتين وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته على أرضه.
وتزداد خطورة هذه التوجهات مع محاولات المساس بالوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى المبارك، وما يصدر عن مسؤولين إسرائيليين متطرفين من مواقف وممارسات تتحدى هذا الوضع، في مواجهة الدور الأردني والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وعلى الجانب الآخر، فإن المشروع الإيراني في المنطقة ليس وليد اللحظة. فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، حمل النظام الإيراني رؤية تتجاوز حدوده الوطنية. وقد كرس دستوره بعداً خارجياً لهذه الرؤية؛ فالمادة 154 تنص على دعم ما تسميه الجمهورية الإسلامية «النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في جميع بقاع العالم»، وهو ما ترافق عملياً خلال العقود الماضية مع بناء نفوذ سياسي وأيديولوجي وشبكة من الحلفاء والقوى المرتبطة بإيران في عدد من الدول العربية.
وهنا، ورغم التناقض العميق بين المشروع الصهيوني والمشروع الإيراني، فإن منطقتنا العربية تجد نفسها أمام مشروعين يتنافسان على النفوذ ويتجاوز تأثيرهما حدود دولهما.
وقد دفع العالم العربي ثمناً كبيراً لهذا الصراع، من استنزاف دوله وإضعاف بعضها إلى تحويل ساحات عربية إلى ميادين للصراع وتصفية الحسابات.
أما الأردن، فموقفه يجب أن يبقى واضحاً وثابتاً: لا مكان لمشروع إسرائيلي توسعي، ولا لمشروع إيراني يسعى إلى مد نفوذه داخل الدول العربية. وأمام الحملات التي تستهدف الأردن، فإن خط الدفاع الأول لا يبدأ من الرد الإعلامي وحده، بل من وحدة الجبهة الداخلية، وقوة مؤسسات الدولة، وثقة المواطن بوطنه، والوعي بأن اختلافنا في الداخل لا يجوز أن يتحول إلى بوابة تعبر منها مشاريع الآخرين.
فالأردن لم يكن يوماً ساحة لمشاريع غيره، ولن يكون. وحماية هذا الوطن مسؤولية دولة وشعب وقيادة، لأن الأطماع الخارجية مهما اختلفت شعاراتها تلتقي عند نقطة واحدة: الدولة الضعيفة فرصة، والدولة المتماسكة عصية على الاختراق.