facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من سيصنع نظام الشرق الأوسط؟


السفير ماهر لوكاشه
07-09-2026 04:35 PM

في مقالي السابق المعنون «زمن اللاسلم واللاحرب: الشرق الأوسط في مخاض الصراع الهجين الكبير»، والمنشور في صحيفة «عمون» بتاريخ ٤ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٦، تناولت التحولات التي تدفع المنطقة إلى لحظة تبدو فيها عالقة بين الحرب والتفاوض، وبين الردع والاستنزاف، وبين الضربات المباشرة وأدوات الصراع الهجين. ومن داخل ذلك المشهد يبرز سؤال يتجاوز طبيعة الصراع نفسه: من سيصنع نظام الشرق الأوسط المقبل؟

لكن السؤال، على جاذبيته، يحتاج إلى قدر من التدقيق، كما أن الانتقال من تشخيص الصراع الهجين إلى استشراف شكل النظام الإقليمي يقتضي التمييز بين من يملك أدوات التأثير ومن يملك شروط القيادة. فالشرق الأوسط ليس أرضًا تنتظر حاكمًا واحدًا، ولا ساحة يمكن اختصار مستقبلها في انتصار قوة على أخرى. السؤال الأهم هو: من يملك القدرة على التأثير في خيارات الآخرين، ومن يستطيع تحويل نفوذه إلى قواعد مستقرة ومقبولة؟

هنا تبدأ الصورة الحقيقية.

لفترة طويلة، كانت المنطقة تدور في الفلك الأمريكي. كانت واشنطن القوة الخارجية الأقدر على توفير الأمن، وكانت إسرائيل القوة العسكرية الأبرز، فيما امتلك الخليج الطاقة والمال، وامتلكت إيران مشروعًا إقليميًا يقوم على النفوذ والردع والقدرة على تعطيل ما لا تستطيع السيطرة عليه.

هذه المعادلة لم تختفِ، لكنها تغيرت. فالولايات المتحدة لم تعد اللاعب الوحيد القادر على التأثير، وإن ظلت صاحبة الحضور العسكري والأمني الأثقل. والصين دخلت من بوابة التجارة والطاقة والاستثمار والتكنولوجيا، فيما حافظت روسيا على أدوات عسكرية وسياسية تتيح لها تعطيل بعض المسارات والمساومة عليها. أما دول المنطقة، ولا سيما دول الخليج، فقد بدأت تتصرف بقدر أكبر من الاستقلال، فلا تضع كل أوراقها في سلة واحدة، ولا تنظر إلى القوى الكبرى باعتبارها معسكرات مغلقة، بل باعتبارها خيارات ينبغي موازنتها وفق المصالح.

لكن الحديث عن «نهاية النفوذ الأمريكي» يظل مبالغة لا تؤيدها الوقائع. فواشنطن ما زالت تملك التفوق العسكري والاستخباراتي والتكنولوجي، وشبكة من التحالفات والقواعد والعلاقات الأمنية لا تستطيع قوة أخرى أن تحل محلها بسهولة. غير أن المشكلة الأمريكية لم تعد في القدرة على الوصول إلى المنطقة، بل في القدرة على تحويل القوة إلى نظام سياسي مستقر.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: أن تكون الدولة الأقوى، وأن تكون صاحبة النظام. تستطيع الولايات المتحدة حماية ممر بحري، أو ردع خصم، أو تدمير منشأة، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها أن تحدد كيف سيتصرف الآخرون بعد انتهاء القصف، ولا أن تجعلهم يقبلون إلى الأبد بقواعد لا يرونها عادلة.

ومن هنا تأتي أهمية الصين. فهي لا تتقدم في الشرق الأوسط بوصفها شرطيًا جديدًا، بل بوصفها قوة شبكية تنسج نفوذها عبر الطاقة والتجارة والموانئ والبنية التحتية والاتصالات والتكنولوجيا والعلاقات الدبلوماسية. تريد إيران، لكنها تريد الخليج أيضًا؛ تريد الطاقة، لكنها تريد استقرار تدفقها؛ وتريد توسيع نفوذها، لكنها لا تبدو مستعدة حتى الآن لتحمل الكلفة الأمنية التي تحملتها الولايات المتحدة لعقود.

لذلك فإن الصين قوة نفوذ صاعدة، لكنها ليست بعدُ ضامنًا أمنيًا بديلًا. نفوذها كبير في الاقتصاد والربط والتكنولوجيا، أما الأمن الصلب فما زال يعتمد بدرجة رئيسية على المظلة الأمريكية. وهذا لا يقلل من صعود بكين، لكنه يضعه في حجمه الصحيح.

أما إيران، فهي حالة مختلفة. لا تملك اقتصاد الصين ولا التفوق العسكري الأمريكي، لكنها طورت نموذجًا فعالًا من القوة غير المباشرة. يكفيها أحيانًا أن تجعل تجاوز مصالحها مكلفًا، وأن ترفع مستوى المخاطر في أكثر من ساحة، لكي تصبح حاضرة في كل حسابات خصومها.

غير أن القدرة على التعطيل ليست هي القدرة على القيادة. تستطيع إيران إرباك ترتيبات لا تقبل بها، لكنها تواجه صعوبة أكبر في بناء نظام إقليمي يطمئن جيرانها أو يحظى بقبول واسع. وهذه هي المسافة بين النفوذ والقيادة: أن تجعل خصمك يدفع ثمنًا مرتفعًا ليس هو نفسه أن تجعل جيرانك يرون فيك أساسًا للاستقرار.

وتقف إسرائيل أمام معضلة مشابهة، وإن من موقع مختلف. فهي تمتلك تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا كبيرًا، وتتمتع بعلاقة استراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع تحويل التفوق العسكري وحده إلى نظام إقليمي مستقر. يمكنها كسب معركة، لكنها لا تملك بالضرورة شروط السلام الذي يليها؛ ويمكنها ردع خصم، لكن الردع لا يعني أنه أصبح شريكًا في النظام الذي تريده.

وتبقى دول الخليج أمام فرصة تاريخية، لكنها ليست فرصة بلا شروط. فالمال يتحول إلى استثمار، والاستثمار إلى نفوذ، لكن النفوذ لا يتحول تلقائيًا إلى استقلال استراتيجي. فالموانئ لا تصنع قوة إذا لم ترتبط بصناعة وتكنولوجيا وسلاسل إمداد وطنية، والاستثمارات لا تنتج استقلالًا إذا خلقت اعتمادًا جديدًا على شريك واحد.

لهذا لا ينبغي النظر إلى الخليج بوصفه كتلة واحدة متطابقة. فالسعودية والإمارات وقطر، رغم تشاركها في بعض المصالح، تختلف في حساباتها الأمنية والسياسية والاقتصادية. قوتها الحقيقية لا تكمن في تطابق مواقفها، بل في قدرتها على تنويع الشراكات، وتجنب الارتهان، وتحويل موقعها وثروتها إلى قدرة إنتاجية وتقنية وأمنية قابلة للاستمرار.

ثم تأتي الجغرافيا لتمنح المنطقة وزنًا يتجاوز حجمها السياسي. هرمز، وباب المندب، والبحر الأحمر، وقناة السويس، والموانئ الخليجية، وطرق التجارة التي تصل آسيا بأوروبا، ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل شرايين للاقتصاد العالمي. غير أن امتلاك عقدة جغرافية لا يساوي امتلاك النظام. فالممر لا يصبح مصدر قوة إلا إذا أمكن تأمينه، وإدارته، وحمايته، وتوفير بدائل له عند الضرورة.

ومن هنا، فإن التنافس المقبل لن يكون على النفط وحده، بل على الطريق الذي يسلكه النفط، وعلى الميناء الذي تمر عبره التجارة، وعلى الكابل الذي يحمل البيانات، وعلى التكنولوجيا التي تدير المدينة، وعلى القدرة على منع الأزمة من الوصول إلى الأراضي الوطنية.

أما القضية الفلسطينية، فلا يمكن إخراجها من هذه المعادلة. فهي ليست سبب كل أزمات المنطقة، لكنها مضاعف استراتيجي لها. استمرار الصراع يضعف شرعية التحالفات، ويقيد قدرة الحكومات العربية على التعاون العلني، ويمنح خصوم التسويات مادة دائمة للتعبئة. ولذلك فإن أي نظام إقليمي يتجاهل الحاجة إلى مسار سياسي قابل للحياة للفلسطينيين سيظل نظامًا ناقصًا، مهما بلغت قوته العسكرية أو الاقتصادية.

و الخلاصة أن الشرق الأوسط لا يتجه إلى نظام يهيمن عليه قطب واحد، بل إلى تعددية غير مستقرة تحت مظلة أمنية أمريكية جزئية. الولايات المتحدة ستبقى صاحبة السقف الأمني الأثقل، والصين ستوسع طبقة الاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي، وإيران ستحتفظ بقدرة التعطيل والمساومة، وستبقى إسرائيل قوة عسكرية متقدمة ذات سقف سياسي محدود، فيما تحاول دول المنطقة تحويل المال والموقع إلى استقلال استراتيجي.

إن المعركة الحقيقية ليست امتلاك مفتاح واحد، بل القدرة على ربط مفاتيح الأمن والطاقة والتجارة والمال والتكنولوجيا والشرعية في منظومة مستدامة ومقبولة. ومن ينجح في ذلك لن يكون بالضرورة من يملك أكبر جيش، بل من يستطيع أن يجعل الآخرين يحتاجون إليه من دون أن يصبح هو أسيرًا لحاجتهم.

وعليه، فإن السؤال الذي يختصر مستقبل المنطقة ليس: من سيحكم الشرق الأوسط؟ فملامح النظام الإقليمي المقبل لن تصوغها قوة واحدة، بل سيتشكل اتجاهها من تفاعل أقطاب وقوى إقليمية متعددة، لكل منها أدوات نفوذ ومصالح مختلفة. والسؤال الأدق هو: من سيصنع قواعد هذا النظام؟ ومن سيتمكن من تحويل نفوذه المتفرق إلى ترتيبات مستقرة، ومنع تنافس القوى الكبرى من تحويل المنطقة إلى مجرد ساحة لمصالحها؟

ذلك هو جوهر الصراع على مستقبل الشرق الأوسط: ليس السيطرة على المنطقة أو فرض مسار واحد عليها، بل امتلاك وزن مؤثر في توازناتها، والقدرة على حماية المصالح والتأثير في القرارات الكبرى، من دون وصاية على دولها أو إلغاء تعدد خياراتها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :