التلفزيون الأردني .. قلعة الإعلام الوطني وصوت الدولة الرصين
د. محمد المناصير
08-09-2026 03:21 PM
في زمن التحديات والتحولات الإعلامية المتسارعة، يخرج علينا من يطرح فكرة "خصخصة التلفزيون الأردني" وتحويله إلى القطاع الخاص، وكأنه مجرد "سوبر ماركت" تجاري يُقَيَّم بحجم أرباحه ومبيعاته، أو منشأة تُعرض للبيع عندما تشتد الأزمات! متناسين أن المؤسسات السيادية التي تُبنى عليها ذاكرة الدول لا تُقاس بمنطق العرض والطلب، ولا تُخضع لحسابات الصفقات العابرة.
إن الشاشة الوطنية والأثير الهاشمي لم يكونا يومًا زوائد إعلامية تُحسب بالدينار، بل كانا عبر العقود "الجيش الرديف" وسياج الوطن المنيع؛ فعندما تعرضت البلاد للهزات والأزمات، كانت الإذاعة والتلفزيون الأردني هما الحصن المتقدم الذي يلتف حوله الأردنيون، والمنبر الذي يصنع الطمأنينة، ويدافع عن رواية الدولة بحرفية وثبات، وبكلمة صادقة أشد أثرًا وأقوى فاعلية من كل محاولات التهميش.
من واقع تجاربي التي امتدت لثلاثين عامًا في هذه المؤسسة العريقة، كانت الإذاعة والتلفزيون دائمًا محط أنظار الأردنيين جميعًا؛ صوتًا صلبًا للوطن يُبرز إنجازاته، وسوطًا يدافع عنه في وجه الطغاة والمغرضين. كنا نحمل القلم والميكروفون لنكتب قصة وطن ونحمل رسالته، ونرسم بالكلمة والصورة معالم مجده وأهله. لقد كان إعلامنا مدرسةً ومنهجًا علميًا خرج منه قادة الفكر والإعلام الذين أثروا المؤسسات الإعلامية في أنحاء الوطن العربي والعالم.
أين كنتم يوم خاض هذا الإعلام الوطني معاركه الضارية وحربه الإعلامية الشرسة ضد إعلام العدو الصهيوني وأعداء الأردن؟ أين كنتم يوم قُصِفت الإذاعة الأردنية لإسكات صوت الحق، فظلت صدّاحة بالكرامة؟ أين كنتم عندما كان الملك الحسين بن طلال -رحمه الله- يشكل الحكومات ويكتب خطابات التاريخ من أروقة الإذاعة الأردنية قبل انطلاقة التلفزيون؟ إن كل كلمة قيلت، وكل صورة بُثّت، كانت وما زالت تحمل رسالة الأردن والأردنيين للعالم أجمع.
لقد أنهكتم البلاد وسياساتها بتجارب الخصخصة، وأفرغتم جيب المواطن حين جرى التفريط بمؤسسات وطنية ناجحة شُيّدت بعرق الأردنيين؛ واليوم يُراد تكرار السيناريو نفسه مع قلعة الإعلام الرسمي! الخصخصة عينها على جيب المواطن لا على فكره، وقد أعادتنا عقودًا إلى الخلف. نحن نريد إعلام وطن لا "فيديو وطن"، وإعلام دولة لا بوق تجارة!
إن الخلل لم يكن يومًا في الرسالة الوطنية ولا في كوادر المؤسسة المخلصة، بل في تكبيلها بالإملاءات والتعليمات الفوقية وسلسلة "الألو"، مما حجب إبداع أبنائها وأربك مسيرتها. وحل المشكلة لا يكون ببيع المؤسسة ولا الخصخصة، بل بالعودة إلى أصول العمل الإعلامي المحترف:
إنهاء سلطة الإملاءات والتدخلات: رفع اليد عن الإذاعة والتلفزيون، ومنح الشاشة الوطنية الاستقلالية لتعبر عن نبض الشارع الأردني، وتخاطب عقل المواطن بشفافية دون وصاية سياسية أو إملاءات عقائدية.
تمكين القيادات الإعلامية الوطنية: اختيار قيادات واعية تُدرك ثقل الإعلام الوطني ورسالته الإستراتيجية، والابتعاد عن الهواة والباحثين عن المناصب والمكاسب، ممن لا يعرفون كيف تُصنع الكلمة والصورة.
إعادة الاعتبار للجيش الرديف: استثمار الطاقات الفنية والإعلامية الوطنية وتزويدها بالتقنيات الحديثة، لتبقى المؤسسة قادرة على صناعة أخبارها وبرامجها وإنتاجها الدرامي والوطني، وخوض معارك التضليل والدفاع عن أرشيف الوطن وكنزه التاريخي.
ما الفرق بين الإصلاح والتخلي: الإصلاح الحقيقي يكمن في تقويم المسار وتطوير المحتوى بيد حراس أمناء يحملون أدوات البناء، أما الخصخصة فهي معول هدم وهروب سهل يُسلّم الإعلام الوطني للمجهول.
من سيشعرك بأن كلمتك وصوتك هما من يوجهانك إن بيعت شاشتك؟ الخصخصة تجارة، والأردني لا يتاجر بكرامته ولا بذاكرته من أجل المال. ارفعوا أيديكم عن الإعلام الرسمي واتركوه لأهله؛ فالتلفزيون الأردني والإذاعة الوطنية هما مرآة الأردن أمام العالم، وصورتنا التي تحمل همّ الوطن وفكره، لقد صنعه الاردنيون بجهدهم وعرقهم، وهو ملك للأردنيين جميعًا؛ يُصلَح ويُطوَّر ليبقى شامخًا صوتًا للحق والوطن، ولا يُعرض في بورصة البيع!..