facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




رغد العيش وراء القضبان


عماد عواودة
10-09-2026 05:26 PM

ليست كل السجون مبنيةً من حجارة ، ولا كل القضبان تُرى بالعين ؛ فقد يمضي الإنسان جزءاً كبيراً من حياته وهو يظن نفسه حراً ، لأنه يستطيع أن يفتح باب بيته ، وأن يذهب حيث يشاء ، وأن يختار ما يلبس وما يأكل وما يملك ، بينما يحمل في داخله قيداً لا يراه ، وربما لا يعرف أنه قيد .

قد تكون الفكرة أول قضبان السجن ؛ فكرةٌ ورثناها ، أو اعتقدناها ، أو تكررت أمامنا حتى استقرت في وعينا كأنها حقيقة لا تقبل المراجعة ؛ وحين تستوطن الفكرة الإنسان ، لا يعود هو الذي يحملها ، بقدر ما تصبح هي التي تحمله إلى حيث تريد .

ثم تأتي العادات والتقاليد ، وهي في أصلها ذاكرة الجماعة وخبرتها المتراكمة ، وفيها من الحكمة ما يستحق الاحترام ، غير أنها قد تتحول ، حين نفقد القدرة على التمييز بينها من ذاكرة تحفظنا إلى قيد يمنعنا ؛ فنعيش بعض ما نفعله لأننا اعتدناه ، لا لأننا اخترناه ، ونخشى الخروج عن المألوف خشية أن نخرج معه من دائرة القبول الاجتماعي .

ثم جاءت المدنية الحديثة تحمل للإنسان وعوداً واسعة بالتحرر ؛ كان آباؤنا يعرفون قيد الحاجة ، ويعرفون قسوة الحياة حين لا يجد المرء ما يكفيه من طعام ، أو لا يملك ثوباً يستر كرامته ، أو لا يستطيع أن يوفر لأبنائه ما يفتح لهم طريقاً إلى المستقبل ؛ لذلك دفعوا أبناءهم إلى التعليم والعمل ، وكان طموحهم بسيطاً في ظاهره ، عظيماً في فكرته : أن يعيش أبناؤهم حياةً أنظف وأكرم وأوسع من حياتهم.

سمعت أن أباً قال لابنه : « تعلّم ؛ تجد طعاماً نظيفاً ، وثوباً نظيفاً ، وفناءً نظيفاً » ؛ ولم يكن التعليم عند ذلك الأب مجرد شهادة ، ولا الوظيفة مجرد راتب ؛ كانتا وسيلةً للتحرر من قيد الحاجة .

لكن الحياة لا تبقى على حالها ؛ فقد خرج الإنسان من سجن الحاجة ، ودخل شيئاً فشيئاً في سجن الوفرة ؛ تحولت الوظيفة من وسيلة للعيش إلى غاية تستنزف العمر والشباب ، وتحول المال من أداة تحفظ الكرامة إلى سباق لا ينتهي ، وأصبح الإنسان يركض خلف كل ما هو متاح ، لا لأنه يحتاج إليه دائماً ، بل لأنه يستطيع الوصول إليه .

وهنا تبدلت صورة القفص .

لم يعد القفص فقراً وجوعاً وحرماناً ، بل صار بيتاً مريحاً ، ووظيفةً جيدة ، وراتباً وتقاعدا ، ومقتنيات ، ومكانةً اجتماعية ، وربما كل ما يجعل الحياة أكثر رغداً ؛ أما العصفور ، فقد امتلأ قفصه بالطعام والماء ، لكنه يفقد شيئاً واحداً : قدرته على الطيران .

وهكذا قد ينتقل الإنسان من سجن الحاجة إلى سجن الوفرة ؛ من قيد يمنعه من امتلاك الأشياء ، إلى قيد يجعله خادماً لما يمتلك .

ليس في المدنية عيبٌ لأنها منحت الإنسان رغد العيش ، وإنما العيب أن يتحول الرغد إلى غاية ، وأن تتحول الوسائل التي صنعها الإنسان لتخدم حياته إلى أشياء تستولي على حياته ؛ عندها يصبح أكثر امتلاكاً للأشياء ، وأقل امتلاكاً لذاته .

ربما كانت الحرية الحقيقية لا تبدأ من اتساع المكان الذي نعيش فيه ، وإنما من اتساع الوعي الذي نرى به أنفسنا ؛ فقد يكون الإنسان في أضيق الأمكنة حراً ، وقد يكون في أوسعها محاطاً بقضبان لا يراها .

في نهاية الأمر ؛ ليست كل القضبان من حديد ؛ بعضها فكرة ، وبعضها عادة ، وبعضها خوف ، وبعضها رغبة لا تشبع ، وبعضها حياةٌ كاملة اعتدناها حتى نسينا أن لنا حقاً في أن نعيد النظر فيها .

وقد يكون أصعب السجون تلك التي نعيش فيها مطمئنين ، ونسمّيها رغد العيش .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :