ليست كل السجون مبنيةً من حجارة ، ولا كل القضبان تُرى بالعين ؛ فقد يمضي الإنسان جزءاً كبيراً من حياته وهو يظن نفسه حراً ، لأنه يستطيع أن يفتح باب بيته ، وأن يذهب حيث يشاء ، وأن يختار ما يلبس وما يأكل وما يملك ، بينما يحمل في داخله قيداً لا يراه ، وربما لا يعرف أنه قيد .
قد تكون الفكرة أول قضبان السجن ؛ فكرةٌ ورثناها ، أو اعتقدناها ، أو تكررت أمامنا حتى استقرت في وعينا كأنها حقيقة لا تقبل المراجعة ؛ وحين تستوطن الفكرة الإنسان ، لا يعود هو الذي يحملها ، بقدر ما تصبح هي التي تحمله إلى حيث تريد .
ثم تأتي العادات والتقاليد ، وهي في أصلها ذاكرة الجماعة وخبرتها المتراكمة ، وفيها من الحكمة ما يستحق الاحترام ، غير أنها قد تتحول ، حين نفقد القدرة على التمييز بينها من ذاكرة تحفظنا إلى قيد يمنعنا ؛ فنعيش بعض ما نفعله لأننا اعتدناه ، لا لأننا اخترناه ، ونخشى الخروج عن المألوف خشية أن نخرج معه من دائرة القبول الاجتماعي .
ثم جاءت المدنية الحديثة تحمل للإنسان وعوداً واسعة بالتحرر ؛ كان آباؤنا يعرفون قيد الحاجة ، ويعرفون قسوة الحياة حين لا يجد المرء ما يكفيه من طعام ، أو لا يملك ثوباً يستر كرامته ، أو لا يستطيع أن يوفر لأبنائه ما يفتح لهم طريقاً إلى المستقبل ؛ لذلك دفعوا أبناءهم إلى التعليم والعمل ، وكان طموحهم بسيطاً في ظاهره ، عظيماً في فكرته : أن يعيش أبناؤهم حياةً أنظف وأكرم وأوسع من حياتهم.
سمعت أن أباً قال لابنه : « تعلّم ؛ تجد طعاماً نظيفاً ، وثوباً نظيفاً ، وفناءً نظيفاً » ؛ ولم يكن التعليم عند ذلك الأب مجرد شهادة ، ولا الوظيفة مجرد راتب ؛ كانتا وسيلةً للتحرر من قيد الحاجة .
لكن الحياة لا تبقى على حالها ؛ فقد خرج الإنسان من سجن الحاجة ، ودخل شيئاً فشيئاً في سجن الوفرة ؛ تحولت الوظيفة من وسيلة للعيش إلى غاية تستنزف العمر والشباب ، وتحول المال من أداة تحفظ الكرامة إلى سباق لا ينتهي ، وأصبح الإنسان يركض خلف كل ما هو متاح ، لا لأنه يحتاج إليه دائماً ، بل لأنه يستطيع الوصول إليه .
وهنا تبدلت صورة القفص .
لم يعد القفص فقراً وجوعاً وحرماناً ، بل صار بيتاً مريحاً ، ووظيفةً جيدة ، وراتباً وتقاعدا ، ومقتنيات ، ومكانةً اجتماعية ، وربما كل ما يجعل الحياة أكثر رغداً ؛ أما العصفور ، فقد امتلأ قفصه بالطعام والماء ، لكنه يفقد شيئاً واحداً : قدرته على الطيران .
وهكذا قد ينتقل الإنسان من سجن الحاجة إلى سجن الوفرة ؛ من قيد يمنعه من امتلاك الأشياء ، إلى قيد يجعله خادماً لما يمتلك .
ليس في المدنية عيبٌ لأنها منحت الإنسان رغد العيش ، وإنما العيب أن يتحول الرغد إلى غاية ، وأن تتحول الوسائل التي صنعها الإنسان لتخدم حياته إلى أشياء تستولي على حياته ؛ عندها يصبح أكثر امتلاكاً للأشياء ، وأقل امتلاكاً لذاته .
ربما كانت الحرية الحقيقية لا تبدأ من اتساع المكان الذي نعيش فيه ، وإنما من اتساع الوعي الذي نرى به أنفسنا ؛ فقد يكون الإنسان في أضيق الأمكنة حراً ، وقد يكون في أوسعها محاطاً بقضبان لا يراها .
في نهاية الأمر ؛ ليست كل القضبان من حديد ؛ بعضها فكرة ، وبعضها عادة ، وبعضها خوف ، وبعضها رغبة لا تشبع ، وبعضها حياةٌ كاملة اعتدناها حتى نسينا أن لنا حقاً في أن نعيد النظر فيها .
وقد يكون أصعب السجون تلك التي نعيش فيها مطمئنين ، ونسمّيها رغد العيش .