facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ربع قرن بعد هجمات 11 أيلول ضد أمريكا .. الإرهاب الذي لم يعد كما كان


د. سعود الشرفات
12-09-2026 08:46 AM

حلت في 11 سبتمبر 2026م الذكرى الخامسة والعشرون لهجمات 11 أيلول - سبتمبر 2001م الإرهابية ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وهي مناسبة لا تستعيد حدثاً غيّر مسار السياسة الدولية فحسب، وإنما تفرض أيضاً مراجعة نقدية لمسيرة ربع قرن من مكافحة الإرهاب ومن دراسة هذه الظاهرة المعقدة.

لقد كانت الهجمات نقطة تحول حاسمة في بناء منظومات جديدة للاستخبارات والأمن والتعاون الدولي ومكافحة تمويل الإرهاب وملاحقة التنظيمات الإرهابية، وحققت هذه الجهود نتائج حقيقية في تفكيك شبكات وقتل قيادات ومنع عمليات واسعة النطاق وإضعاف تنظيمات كبرى مثل القاعدة وتنظيم داعش. إلا أن المفارقة التي تكشفها السنوات الخمس والعشرون الماضية هي أن الإرهاب لم يتوقف عن التطور، بينما لم يتطور فهمنا له دائماً بالسرعة نفسها.

وهنا ربما تكمن المشكلة الأعمق، لأن الإرهاب ليس مجرد هدف أمني يمكن القضاء عليه بالوسائل العسكرية والاستخبارية، بل هو ظاهرة من العنف السياسي ما تزال موضع خلاف كبير في تعريفها وتفسيرها. ويكفي أن نعرف أن الأدبيات الأكاديمية والسياسات الحكومية أنتجت أكثر من مئتي تعريف للإرهاب، بل توجد أحياناً تعريفات ومقاربات مختلفة داخل الدولة الواحدة، وهو ما يكشف حجم الالتباس المفاهيمي والسياسي الذي ما يزال يحيط بهذا الحقل. فالإرهاب ليس مفهوماً معيارياً محايداً تماماً، وإنما يتأثر بالسياق السياسي وبهوية الفاعل وبموقف الدولة وبالهدف الذي تستخدم من أجله عملية التعريف نفسها. ولهذا كثيراً ما تختلط في دراسته الاعتبارات العلمية بالحسابات السياسية والانطباعات الشخصية، وتصبح الحدود بين الإرهاب والتمرد والعنف السياسي والمقاومة والجريمة المنظمة والرعاية الخارجية للإرهاب موضع تجاذب مستمر.

ولا يتعلق الأمر بالتعريف وحده، بل بطبيعة الحقل النظري نفسه. فقد ظل جزء كبير من دراسة الإرهاب داخل حقل العلاقات الدولية متأثراً بالمنظور الواقعي الذي يضع الدولة والقوة والمصلحة الوطنية في مركز التحليل، بينما تتطلب ظاهرة الإرهاب المعاصر أدوات أوسع لفهم الفاعلين من غير الدول والشبكات العابرة للحدود والهوية والصراعات المحلية والاقتصاد غير الرسمي والتكنولوجيا والبيئات الهشة. ولذلك فإن أحد أوجه القصور في دراسة الإرهاب يتمثل في محاولة تفسير ظاهرة متحركة ومعقدة بأدوات نظرية صُممت في الأصل لفهم عالم أكثر انتظاماً تتمحور علاقاته حول الدول.

وقد أثبت ربع القرن الماضي أن التنظيمات الإرهابية قادرة على التكيف مع الضربات الأمنية والعسكرية بصورة أسرع مما نتوقع أحياناً. فقد انتقلت القاعدة وتنظيم داعش من نماذج أكثر مركزية إلى شبكات وفروع محلية وخلايا أصغر وأكثر مرونة، بينما أصبحت مناطق الصحراء والساحل الأفريقي والصومال وغيرها بيئات مهمة لإعادة إنتاج النشاط الإرهابي. كما أصبح من الصعب فهم الإرهاب بمعزل عن النزاعات المحلية والصراعات وضعف وهشاشة مؤسسات الدولة والجريمة المنظمة والاقتصاد غير الرسمي والتكنولوجيا الحديثة. وأصبح الهاتف الذكي والمنصات الرقمية والطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي والمصادر المفتوحة ووسائل التمويل الرقمي أدوات تخفض تكلفة التنظيم والتواصل والتجنيد والدعاية، في الوقت الذي تخفض فيه كلفة التكيف بالنسبة إلى التنظيمات الإرهابية.

وتؤكد التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط هذه الحقيقة بوضوح. فقد أضعفت الضربات الدولية العسكرية الشديدة للتنظيمات والجماعات الإرهابية، لكنها لم تؤد إلى اختفائهما، كما أن التحول السياسي الذي رافق مسار تنظيم هيئة تحرير الشام وإلغاء الولايات المتحدة تصنيفاتها الإرهابية على مراحل خلال 2025 و2026 على سبيل المثال يوضح أن الحدود بين التنظيم الإرهابي المسلح والفاعل السياسي ليست دائماً ثابتة بل قابلة للتغير.

وفي الاتجاه المقابل، وسعت الولايات المتحدة خلال 2025 و2026 إجراءاتها التصنيفية للجماعات الإرهابية العالمية لتشمل فروعاً لجماعة الإخوان المسلمين في عدد من الدول ومنها الأردن، بينما تراجعت أو أعيدت هيكلة أجزاء من برامج الوقاية من التطرف وإعادة التأهيل وإعادة الإدماج في الولايات المتحدة وخارجها. وهذه التطورات المتباينة تؤكد أن مكافحة الإرهاب لا تتحرك دائماً وفق منطق أمني واحد، وإنما تتأثر أيضاً بالتغيرات السياسية والاستراتيجية وتصورات الدول لمصالحها وخصومها.

ولهذا فإن السؤال بعد 25 عاماً من 11 سبتمبر لا ينبغي أن يكون فقط هل نجح العالم في هزيمة الإرهاب، وإنما هل طور الأدوات الفكرية والعلمية اللازمة لفهم تحوله. فما نحتاج إليه هو الانتقال من دراسة التنظيم الإرهابي باعتباره وحدة مستقلة جامدة إلى دراسة المنظومة البيئية التي تسمح للإرهاب بالظهور والاستمرار والتكيف، وربط التحليل الاستخباري بالتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي، مع الاعتراف بأن الإرهاب ظاهرة معقدة ومتعددة الأسباب والتفسيرات ولا يمكن اختزالها في نظرية واحدة أو تفسير واحد.
لقد نجح العالم خلال ربع قرن في منع هجمات وتفكيك شبكات وقتل قيادات وتدمير ملاذات، وهذه إنجازات حقيقية لا ينبغي التقليل منها، لكن ذلك لا يعني أن المشكلة انتهت. فالإرهاب لا يحتاج إلى أن يحتفظ بالشكل الذي عرفناه عنه حتى يبقى خطراً استراتيجياً؛ يكفي أن يمتلك القدرة على إعادة إنتاج نفسه في بيئة جديدة، وأن يتكيف مع التحولات السياسية والتكنولوجية والأمنية أسرع من قدرتنا على فهمه. وربما يكون هذا هو الدرس الأكثر أهمية الذي ينبغي أن نتعلمه بعد خمسة وعشرين عاماً على 11 أيلول : أن معركتنا مع الإرهاب ليست فقط معركة ملاحقة تنظيمات أو جماعات إرهابية ، وإنما أيضاً معركة مع قصور مفاهيمنا ونظرياتنا وأدواتنا في فهم ظاهرة تتغير وتتكيف باستمرار أكثر من تتكيف الأطراف الفاعلة من الدول والمؤسسات.

* مؤسس ومدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :