"كاتستانتينوبل": كيف جعلت القطط من إسطنبول عاصمة للرحمة؟
سارة طالب السهيل
13-09-2026 09:18 AM
في إسطنبول، لا تملك أمر قلبك؛ إذ سرعان ما يختطفه مشهد قطٍّ ممددٍ بكامل ثقته على منصة دفع الأموال في متجرٍ فاخر، بينما يقف الزبائن في طابورٍ هادئ ينظرون إليه بابتسامة حانية، منتظرين أن يستيقظ كي يكملوا محاسبتهم! هناك، في "كاتستانتينوبل" (Catstantinople) كما يحلو لعشاقها تسميتها، لا تنظر إليك الكائنات الأليفة كغريبة، بل كشريكٍ أصيل في السكن والوطن. ورغم متعة الشغف الثقافي والفني الذي تشبعتُ به في تركيا عموماً وإسطنبول، إلا أن المشهد الأكثر دفئاً وإبهاراً كان تلك الحرية والأمان اللذين تتحرك بهما حيوانات الشوارع (Sokak Hayvanları).
بحكم اهتمامي القائم على نصرة الرفق بالحيوان والدفاع عن حقوقه، وإيماني بأن هذه الأرض ليست ملكاً للإنسان وحده، بل نتقاسمها مع أرواحٍ أخرى، استوقفتني مظاهر الرعاية الميدانية المتطورة في الشارع التركي. فإلى جانب أوعية الطعام والماء المنتشرة في كل حارة، حظيتُ برؤية صناديق عازلة للبرد أعدتها البلديات والأهالي لحماية القطط من صقيع الشتاء، وسيارات الإسعاف والعيادات البيطرية المتنقلة التابعة للبلديات التي تطوف الأحياء لمعالجة الحيوانات المصابة أو تطعيمها ورعايتها مجاناً.
ولم أجد في مطاعم إسطنبول جليساً ينهر قطاً يختبئ تحت المقاعد بانتظار قطعة لحم أو سمك، بل رأيت ملاطفةً حقيقية وكأنهم يداعبون أطفالهم. وتتجلى هذه الرحمة بأبهى صورها، حين يفتح الشيخ مصطفى إيفين أبواب مسجد "عزيز محمود خدايي" في حي "إسكدار" للقطط الضالة في أوقات البرد القارس، لتشارك المصلين السكينة والدفء. بل إن إسطنبول خلّدت هذا الحب بنصبٍ برونزي للقط البدين الشهير "تومبيلي" في حي "كاديكوي"، ممدداً بجلسته المتكئة الشهيرة وبجواره كأس شاي، كما نُعيت القطة "غلي" تميمة آيا صوفيا في الصحف الرسمية حين رحلت، ورُممت فتحات القطط القديمة في أبواب قصر "توبكابي". حتى في المترو وفي الحدائق والمطاعم والمقاهي والمحلات تجد القطط لها بيوتاً في تركيا.
ولم تقف هذه الرحمة عند المبادرات الفردية، بل تجسدت في أفكار معاصرة مبتكرة تربط بين الحفاظ على البيئة والرفق بالحيوان؛ حيث تنتشر في شوارع إسطنبول أجهزة التدوير الذكية التي تخرج طعاماً وماءً للقطط والكلاب بمجرد أن يلقي المارة علبة بلاستيكية فارغة فيها، لتتحول النظافة العامة إلى مصدر رزق لهذه الكائنات الضعيفة في مشهد حضاري ملهم.
إن هذه الثقافة ليست وليدة المصادفة، بل هي امتداد لتقليد إسلامي أصيل قائم على مبدأ "حب المخلوق لأجل الخالق". وقد بلغ هذا التقليد ذروته في العهد العثماني عبر تخصيص أوقافٍ كاملة لرعاية الحيوانات والطيور وتطبيبها، وتعيين عمال برواتب محددة لبناء بيوتها.
كما شرّع السلاطين قوانين صارمة لحمايتها؛ كتعليمات السلطان مراد الثالث بعدم تحميل الدواب فوق طاقتها، وأمر السلطان عبد المجيد بإراحتها أيام الجمعة، وصولاً إلى "لائحة الضابطة الصيدية".
وعلى الصعيد المعاصر، حظيت هذه الرحمة بإطار قانوني وتنفيذي صارم؛ حيث يجرم القانون التركي تعذيب الحيوانات أو الإساءة إليها، ويفرض غرامات مالية وعقوبات رادعة على كل من يؤذي حيوانات الشوارع، مؤكداً أن حمايتها مسؤولية قانونية وليست مجرد عمل اختياري.
وعندما شهد قانون حماية الحيوان تعديلات جديدة في 2024 بشأن تنظيم وتأهيل الحيوانات الضالة في مراكز رعاية مخصصة بحلول عام 2028، هب الشارع ومؤسسات المجتمع المدني ومحبو الحيوانات للتأكيد على أن ثقافة الرحمة الشعبية ستظل حائط الصد الأول لحماية هذه الأرواح.
وقد تجاوزت هذه الظاهرة حدود إسطنبول الجغرافية لتبلغ أبعاداً فنية وثقافية عالمية؛ حيث ألهمت حياة قطط الشارع المصورين والفنانين حول العالم، وتجسد ذلك في المعارض الفنية والأفلام الوثائقية العالمية وعلى رأسها الفيلم الشهير (Kedi)، الذي نقل للعالم صورة إسطنبول كمدينة لا تُبنى حجارتها فقط، بل تُبنى برحمة قاطنيها ورعايتهم لشركائهم في الأرض.
رسالتي في هذا المقال هي الرحمة بالحيوان جوهر الإيمان ومقياس التحضر
بصفتي كاتبة وباحثة أفردتُ فصلاً كاملاً في كتابي "العنف" لمناقشة العنف ضد الحيوان من زوايا نفسية، اجتماعية، ثقافية، عقلية ودينية، وأقمتُ ندوات توعوية في مدينة العقبة لغرس ثقافة الرفق بالحيوان، أرى أن ما يفعله الأتراك هو تجسيد حيّ لما أطالب به دائماً.
أنا أطعم يومياً جميع قطط شارعنا مهما كثر عددها، واقترب من الكلاب والطيور كلما استطعت، وأشتري لهم بيوتاً تحميهم من برد الشتاء القارس في عمان، وأصنع لهم بيوتاً إضافية بيدي، وأخصص في الحديقة مأوى كاملاً لهم، وأتمنى أن يفعل الجميع مثلي؛ لأنني أؤمن تماماً بأن التكبر على هذه الكائنات خطيئة، وأن الحياة لم تخلق للإنسان وحده. إنني أؤمن بأن الخير لا يضيع، وأن "الزمن دولاب"، وطاقة الحب والرحمة والعطاء التي نمنحها لضعاف خلق الله ستعود علينا بالبركة والسلام. وأن من يعطف على الحيوان شخص آمن، ومن يؤذي الحيوان شخص مجرم، ويؤذي حتى أبويه لو استطاع؛ فالتجربة هي مع الضعفاء، أنت تكتشف النوايا حينما يكون الشخص لا يستطيع الدفاع عن نفسه، وأجزم أن الله -سبحانه وتعالى- يحفظ تركيا ويسبغ عليها نعمة ببركة عطف أهلها ورحمتهم بهذه الكائنات.
إن الرحمة بالحيوان ليست ترفاً عاطفياً، بل هي جوهر الإيمان، ومقياس تحضر الأمم، وفحص للصحة العقلية والنفسية وطريق البركة في الدنيا والآخرة.