facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يمشي الوطن إلى بيت العزاء


بهاء الشنتير
13-09-2026 09:50 AM

هناك أوطان تُعرَف بما تملك، وأوطان تُعرَف بما تنجز، وأوطان تُقاس بقوة مؤسساتها وحضورها في العالم.

أما الأردن، فثمة لحظات أخرى تكشف جوهره؛ لحظات لا تظهر فيها قوة الدولة في المكاتب، ولا في البيانات، ولا في الأرقام، بل في بيت عزاء.

قبل أيام، أصابت الأردن فاجعة موجعة، برحيل ستة من أبنائه من أغرار خدمة العلم، وإصابة آخرين، فامتد الحزن من بيوت ذويهم إلى قلب الوطن كله.

ثم بدأ مشهد آخر، أكثر هدوءًا من الفاجعة، لكنه أكثر دلالة منها.

كان رئيس الديوان الملكي حاضرًا، ومدير دائرة المخابرات العامة حاضرًا، ومدير الأمن العام حاضرًا، ورئيس هيئة الأركان المشتركة حاضرًا، إلى جانب المصابين وذوي المتوفين، يؤدون واجب العزاء ويقفون حيث ينبغي للدولة أن تكون عندما يمس الوجع أحد أبنائها.

من خارج الأردن، قد تبدو هذه الزيارات مشهدًا رسميًا مألوفًا.

لكن من داخل الأردن، يعرف الناس أن المسألة أعمق بكثير.

وفي إحدى بيوت العزاء، لخّص مدير دائرة المخابرات العامة جانبًا من هذه الحقيقة حين تحدث عن الأردن باعتباره بلدًا متكافلًا، أبناؤه لبعضهم بعضًا، وعن روحٍ ليست طارئة على المجتمع الأردني، وإنما مسلكٌ ترسّخ في وجدانه، وغرسه الهاشميون فيه حتى أصبح التكافل والنخوة والوقوف مع الناس في الشدائد جزءًا من شخصيته.

وهنا تبدأ الحكاية التي ربما يصعب شرحها لمن يقرأ الأردن من بعيد.

في الأردن، لا تقف الدولة على مسافة من المجتمع عندما تقع الشدة.

إنها تقترب.

تذهب إلى بيت المواطن، وتدخل مجلس عزائه، وتقف إلى جوار المصاب، وتصغي إلى وجع الأسرة.

وفي تلك اللحظة، لا يعود المنصب مجرد منصب، ولا تصبح الزيارة مجرد بروتوكول؛ يتحول الحضور نفسه إلى رسالة:

أنتم لستم وحدكم.

وهذه العبارة، وإن لم تُقل بصوت مرتفع، ربما تكون أكثر ما يسمعه أهل الفقد في تلك اللحظات.

وليس هذا منفصلًا عن النهج الذي أراده جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين للأردن؛ نهج يجعل الإنسان في صميم الدولة، ويجعل الأردن أولًا في كل قرار، وكل أولوية، وكل شأن يمس حياة أبنائه.

فحين يقول جلالته دائمًا إن الأردن أولًا، فإنها ليست عبارة للاستهلاك، بل فلسفة وطنية تختصرها المواقف قبل الكلمات: أن يبقى الوطن وأبناؤه في مقدمة الحساب، وأن تكون الدولة قريبة من الإنسان في تفاصيل حياته، لا حاضرة فقط في القضايا الكبرى.

وحين نتحدث عن اهتمام جلالته بأدق التفاصيل، فإننا لا نتحدث عن تفصيل بروتوكولي، بل عن فلسفة قيادة ترى أن الوطن في النهاية هو الإنسان.

وفي هذا النهج يأتي حضور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، امتدادًا لجيلٍ يحمل مسؤولية الأردن ويواصل ترسيخ صورة الدولة القريبة من الناس، الحاضرة بينهم، والمؤمنة بأن قوة الوطن تبدأ من كرامة أبنائه وتماسك مجتمعه.

لكن القصة لا تقف عند القيادة.

فالله أكرم الأردن أيضًا بعشائر حملت عبر تاريخ هذا البلد قيم النخوة والوفاء والفزعة، وبمجتمع بقيت فيه روابط الناس أقوى من المسافات، وأبقى من الظروف.
ولهذا فإن التكافل في الأردن ليس مجرد عادة اجتماعية.

إنه جزء من الشخصية الوطنية.

قد تختلف المدن، وتختلف العائلات، وتتباين المواقع، لكن عند المصاب تسقط المسافات.

يصبح بيت العزاء بيتًا أردنيًا.

ويصبح وجع العائلة وجعًا عامًا.

ويصبح الوقوف إلى جانب أهل الفقيد فعلًا من أفعال الانتماء.

وهنا تحديدًا، يستطيع العالم أن يرى الأردن بصورة مختلفة.

ليس الأردن بلدًا بلا حزن؛ لكنه بلد يحمل حزنه معًا.

وليس بلدًا بلا فواجع؛ لكنه بلد لا يسمح للفاجعة أن تجعل أهلها وحدهم.

حين يدخل مدير المخابرات بيت عزاء، وحين يقف رئيس الديوان الملكي إلى جانب أهل الفقيد، وحين يأتي قائد الجيش ومدير الأمن العام إلى المصابين وذويهم، فالمشهد لا يتحدث فقط عن هؤلاء الرجال ومواقعهم.

إنه يتحدث عن فكرة الدولة نفسها.

دولة لا ترى المواطن رقمًا في سجل، ولا المصاب اسمًا في تقرير، ولا الفقيد خبرًا ينتهي بانتهاء النشرة.

بل تراه ابنًا من أبنائها.

وهنا تصبح البدلة الرسمية أقل أهمية من الإنسان الذي يرتديها، ويصبح الموقع أقل حضورًا من الواجب، وتصبح المسافة بين الدولة والمواطن قصيرة إلى الحد الذي يجلس فيه المسؤول إلى جانب أب فقد ابنه، فلا يحتاج إلى كثير من الكلام.

يكفي أن يكون هناك.

لأن بعض المواساة لا تُقال.

تُفعل.

وهذا هو الأردن الذي قد لا تشرحه الأخبار للعالم.

أردنٌ صنعت قيادته الهاشمية في وجدانه معنى الدولة القريبة من الإنسان، وحفظت عشائره معنى النخوة والوفاء، وحمل شعبه هذه القيم جيلاً بعد جيل، حتى أصبح الوقوف مع الآخر في محنته جزءًا من تعريف الأردني لنفسه.

لذلك، فإن ما جرى بعد هذه الفاجعة ليس مجرد سلسلة من الزيارات.

إنه مشهد صغير بحجم الأردن كله.

مشهد يقول إن الوطن ليس فقط علمًا يرفرف فوق المؤسسات، ولا اسمًا على الخريطة، ولا حدودًا تحرسها الجغرافيا.

الوطن، في لحظة كهذه، يدٌ تمتد، وقلبٌ يواسي، ودولةٌ تحضر، وشعبٌ لا يترك أبناءه وحدهم.

وربما لهذا، حين ينظر العالم إلى الأردن، عليه ألا يكتفي بما تقوله البيانات عنه.

عليه أن ينظر إلى بيت عزاء.

فهناك، بعيدًا عن الأضواء، وبعيدًا عن اللغة الرسمية، تظهر حقيقة هذا البلد بأوضح صورها:

في الأردن، عندما يفقد الوطن واحدًا من أبنائه، لا يقف أهل الفقيد وحدهم أمام الغياب.

يقف الأردن كله إلى جانبهم.

وعندها فقط، يفهم من ينظر من خارج الأردن لماذا لا يقول الأردنيون إن الوطن مكان يعيشون فيه فقط.

يقولون شيئًا أعمق:

الوطن أهل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :