facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الجاهة العشائرية ودور المرأة في الإصلاح


د. محمد حيدر محيلان
13-09-2026 11:47 AM

أثار ترؤس نساء لجاهات عشائرية للصلح سؤالًا يتجاوز شخص من يجلس في صدر المجلس: كيف نحفظ هيبة الجاهة، ونختار في الوقت نفسه الأقدر على تهدئة النفوس؟ انقسمت الآراء بين من رأى في الأمر خروجًا على عرف راسخ، ومن عدّه دليلًا على تمكين المرأة. غير أن اختزال القضية في قبول المرأة أو رفضها يُبعد النقاش عن طبيعة الجاهة ومسؤولياتها.

فالجاهة العشائرية ليست حضورًا رمزيًا، بل مسعى يحمل مسؤوليات حقيقية، قد تتضمن الكفالة والضمان والالتزام المادي والمعنوي، ومتابعة تنفيذ الصلح وتحمل تبعاته. لذلك تحتاج إلى رئيس يملك المكانة والمنعة، ويحظى بدعم عشيرته، ويستطيع حمل الكلام الثقيل ومتابعة ما يتم الاتفاق عليه.

ومن هنا، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل يجوز للمرأة أن تتصدر الجاهة بإطلاق؟ بل: ما طبيعة الدور الذي تؤديه؟ وهل هي صاحبة مكانة عشائرية حقيقية، تدعمها عشيرتها، وتملك القدرة على الوفاء بالتزامات الجاهة؟ أم أن الأمر تصرف فردي غايته الظهور، من غير سند أو قدرة على حماية الصلح ومتابعته؟ فالفرق كبير بين امرأة تتولى دورًا أصيلًا ضمن بنية اجتماعية تعترف بمكانتها، وبين مشاركة رمزية لا تملك مقومات النجاح.

وللمؤيدين لمشاركة المرأة حجة تستحق الإنصاف؛ فالمرأة قد تمتلك الحكمة والقبول والقدرة على التأثير، وقد تكون أقدر على الوصول إلى النساء وأفراد الأسرة وتهدئة النفوس في القضايا الحساسة. كما أن الإصلاح بين الناس قيمة دينية واجتماعية لا ينبغي حصرها في الرجال، وقد جعل القرآن الإصلاح عملًا محمودًا، وأثبت للمرأة دورًا في الرأي والمشورة، كما ظهر في مشورة أم سلمة رضي الله عنها للنبي ﷺ في صلح الحديبية.

لكن إثبات قدرة بعض النساء على الإصلاح لا يعني أن كل امرأة صالحة لرئاسة كل جاهة. فالمشاركة في الوفد أو التوسط في جانب معين تختلف عن رئاسة جاهة تتضمن كفالة وضمانًا والتزامات واسعة. وقد تكون المرأة مؤثرة في الحوار، لكنها لا تملك القدرة على متابعة تنفيذ الاتفاق أو تحمل تبعاته المادية والمعنوية.

وللمتحفظين حجة تستحق الاستماع أيضًا؛ فالجاهة بما فيها من مواجهة ومتابعة وضمان تحتاج غالبًا إلى من يملك السند العشائري والمنعة الظاهرة. لذلك لا يصح دفع المرأة إلى هذا الدور لمجرد إثبات المساواة أو تسجيل موقف رمزي، كما لا يصح استبعادها إذا كانت هي الأقدر، أو كانت صاحبة المكانة والقبول في قضية معينة.

العرف العشائري جدير بالاحترام لأنه يمنح الصلح لغته ووقاره، لكنه يقوم على الثقة والقدرة وتحمل المسؤولية، لا على الألقاب والصور. ولذلك ينبغي النظر في كل حالة إلى مكانة المرأة، ودعم عشيرتها، وقبول طرفي النزاع بها، وقدرتها على متابعة الصلح وضمان تنفيذه.

فإذا تحققت هذه الشروط، فلا موجب لرفض دورها لمجرد كونها امرأة. أما إذا كان حضورها فرديًا، ولا يستند إلى سند عشائري أو قدرة على تحمل الالتزامات، فإن تقديمها رئيسة للجاهة قد يضعف مكانة الصلح ويحوّل قضية حساسة إلى مشهد استعراضي.

الخلاصة أن المؤيدين يلفتون بحق إلى كفاءة المرأة وقدرتها على الإصلاح، فيما يلفت المتحفظون إلى أن رئاسة الجاهة مسؤولية لا لقب رمزي. وبين الرأيين، يكون المعيار الأعدل هو طبيعة المهمة، وكفاءة من يتولاها، ومكانته، ودعم عشيرته، وقبول أطراف الصلح به.

ليس المطلوب إقصاء المرأة من الإصلاح، ولا تحميلها دورًا لا تملك أدواته، كما لا ينبغي تقديمها لمجرد إثبات موقف رمزي. المطلوب أن يُعطى دور الإصلاح لمن يملك المكانة والكفاءة والمنعة، ويحظى بدعم عشيرته وقبول أطراف الصلح، ويستطيع تحمل ما يترتب على الجاهة من التزامات، سواء كان رجلًا أو امرأة.

وبذلك نحفظ للجاهة هيبتها، وللعرف مكانته، وللمرأة حقها في المشاركة حين تكون الحاجة إليها قائمة، من غير أن نحول الإصلاح إلى استعراض، أو نجعل الجنس وحده معيارًا للقبول أو الرفض.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :