سردية الجلجال الأردني /الملاذات الآمنة
د. أحمد عويدي العبادي
13-09-2026 07:48 PM
الجلجال، أو الملاذ الآمن، مفهوم أردني قديم متجذّر في أعماق التاريخ، يقوم على تخصيص موضع ذي حرمة يأمن فيه المستجير من الملاحقة والثأر والاعتداء، وتتوقف عند حدوده الخصومة، حمايةً للإنسان وصونًا للمكان والحياة، ضمن منظومة عرفية وروحية قوامها الأمن والحماية للجميع من الجميع.
ويمكن قراءة تاريخ «الجلجال / الملاذ الامن» في الذاكرة الأردنية والعرف العشائري بوصفه تاريخًا لفكرة راسخة أعادت المجتمعات الأردنية صياغتها وتمثيلها عبر صور ومسميات وممارسات متعددة، مع بقاء جوهرها ثابتًا على امتداد الأزمنة. فالجلجال لم يكن مجرد اسم لموضع، ولا اصطلاحًا عابرًا، ولا مساحة جغرافية محددة، بل كان كلمةً واصطلاحًا وممارسةً ومنهجًا اجتماعيًا وعقائديًا تجسدت من خلالها رؤية عميقة للعلاقة بين الإنسان والمكان والموارد والقوى المرئية والغيبيّة.
وتعود جذور هذه الفكرة، في قراءة الذاكرة التاريخية والثقافية الأردنية، إلى عصور موغلة في القدم، تمتد إلى أكثر من اثني عشر ألف عام قبل الميلاد، حيث ارتبطت بعض المواضع والينابيع والجبال والأودية والمراعي والموارد بمكانة خاصة تتجاوز وظيفتها المادية، فتكتسب القدسية والروحانية والحرمة والرهبة وما يتصل بعالم الغيبيات والمقدس. ومن ثمّ نشأت حولها منظومة من الحدود والمحظورات والواجبات والأعراف التي تنظّم علاقة الجماعة بالمكان وتحميه من الاعتداء والانتهاك.
وقد استمرت هذه الفكرة، وإن اختلفت تسمياتها وصورها ومضامينها التفصيلية، في المجتمعات والقبائل والممالك التي قامت على أرض الأردن عبر عشرات القرون السابقة للميلاد، ثم واصلت حضورها بأشكال متجددة في العصور اللاحقة. ولم تكن وظيفتها مقتصرة على حماية مكان مقدس أو مورد ذي حرمة، وإنما أدت دورًا أوسع بوصفها منهجًا للتوازن الاجتماعي والعشائري؛ إذ أسهمت في وضع حدود للخصومة والثأر والاعتداء، واستثناء بعض المواضع والأشخاص والموارد والأوقات من دائرة النزاع، بما يحفظ الجماعة ويمنع انتقال الصراع إلى المجالات التي يُنظر إليها باعتبارها ذات حرمة وقداسة.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الجلجال باعتباره إحدى الآليات التاريخية التي أنتجت بها المجتمعات الأردنية توازنها بين القوة والحرمة، وبين الصراع والسلم، وبين حق الجماعة وحق المكان، وبين عالم المشاهد وعالم المعتقد والغيبيات. فقد تحولت الفكرة، عبر القرون، إلى ممارسة اجتماعية ذات قوة إلزامية، وإلى عرف تتناقله الجماعات، وإلى تصور ذهني وروحي يحدد ما يجوز وما لا يجوز، وأين يمكن أن تمتد الخصومة وأين يجب أن تتوقف.
وهكذا ظل «الجلجال» حاضرًا، تحت عناوين ومسميات وصور متعددة، بوصفه تعبيرًا عن نظام ثقافي أردني عميق الجذور يجمع بين القداسة والروحانية والعرف والممارسة الاجتماعية، ويجعل من بعض الأمكنة والموارد والمجالات مناطق ذات حرمة تتقدم على منطق الخصومة. واستمر هذا المنهج في الذاكرة والممارسة الاجتماعية والعشائرية حتى مطلع القرن العشرين الميلادي، حين بدأت التحولات السياسية والإدارية والاجتماعية الحديثة تعيد تشكيل كثير من الأعراف والبنى التقليدية التي كانت تؤدي أدوارًا تنظيمية وتوازنيه داخل المجتمع.
وبذلك لا ينبغي اختزال «الجلجال» في كونه اسمًا لمكان أو عرفًا عشائريًا محدودًا بمرحلة تاريخية معينة، بل يمكن قراءته بوصفه مفهومًا تاريخيًا متجذرًا في الثقافة الأردنية، تطور عبر آلاف السنين، وتعددت مظاهره وعناوينه، بينما بقي جوهره قائمًا على فكرة الحرمة والتوازن والحماية وتنظيم العلاقة بين الإنسان والمكان والجماعة والمقدس.
ومن خلال ما تقدم، فإن مفهوم الملاذ الآمن، أي «الجلجال»، ارتبط في بعض صوره بالمكان الذي يوفر الحماية ويوقف الملاحقة، ويمنح الداخل إليه أو المستجير به قدرًا كبيرًا، إن لم يكن كاملًا، من الأمان في مواجهة الخصومة والثأر والاعتداء. فالمكان هنا لا يمثل مجرد مساحة جغرافية محددة، وإنما يتحول إلى نطاق ذي حرمة خاصة، تفرض على الخصوم التوقف عن ملاحقة من لجأ إليه، وكأن الحدود المكانية للجلجال تصبح، في الوقت ذاته، حدودًا للخصومة، فلا يجوز للعنف أو الثأر أن يتجاوزها.
وفي هذا السياق، فإن حرمة الجلجال لا تقتصر على حماية المستجير وحده، وإنما تمتد لتشمل الجماعة التي يرتبط بها الجلجال ويقع ضمن حمايتها أو عهدتها. فإذا تجاوز فرد أو جماعة حرمة الجلجال، أو اعتدى على من احتمى به، فإن ذلك لا يُعد اعتداءً على المستجير فحسب، بل يُنظر إليه بوصفه تعديًا على حرمة القبيلة أو الجماعة التي يتصل بها الجلجال، وانتهاكًا لمكانتها وحقها في الحماية والضيافة والحرمة.
ومن هنا، كانت حرمة الجلجال في المنظومة العرفية ذات طبيعة جماعية؛ إذ إن اختراقها يُعامل من حيث المبدأ بوصفه اختراقًا لحرمة الجماعة ذاتها، شأنه في ذلك شأن انتهاك حرمة بيوت أفرادها. فالجلجال، في هذا التصور، يتحول إلى «بيت للجميع»، وتصبح حرمته امتدادًا لحرمة البيوت مجتمعة؛ ولذلك فإن من يتعمد اختراق هذه الحرمة لا يواجه فقط تبعات الفعل أو الجريمة التي ارتكبها، وإنما يتحمل كذلك تبعات الاعتداء على حرمة الجلجال ذاتها، باعتبارها حرمة جماعية لا يجوز انتهاكها.
وبذلك تتضح إحدى أهم وظائف الجلجال في تنظيم العلاقات الاجتماعية والعشائرية؛ فهو لم يكن مجرد مكان يلجأ إليه الفرد هربًا من خصومة أو ثأر، بل كان مؤسسة عرفية ذات دلالة اجتماعية وروحية وقانونية، تضع حدًا فاصلًا بين مجال النزاع ومجال الأمان، وتحوّل المكان إلى حصانة جماعية، بحيث يصبح الاعتداء على الجلجال اعتداءً على مبدأ الحماية ذاته، وعلى الجماعة التي تكفل حرمته. ومن ثم فإن العبارة التي تختزل هذه الفكرة في أن «الجلجال بيت للجميع» تعبّر عن جوهر عميق في هذا التصور؛ فكما أن حرمة بيت الفرد لا يجوز انتهاكها، فإن حرمة الجلجال تُعامل باعتبارها حرمة البيوت جميعًا، ومن يخرقها إنما يخرق حرمة الجماعة بأكملها.
ثم أخذ الجلجال في الأرض الأردنية صورة جديدة تمثلت في «الحائر» الذي ارتبط بحماية السلطان، ولا سيما في زمن الخلافة الأموية، حيث أعيد توظيف فكرة الجلجال وتحويلها إلى ملاذ آمن ذي حرمة وحماية سلطانية. وكان «الحائر» في بعض صوره مكانًا واسعًا محاطًا بالأسوار، يشبه حديقة مغلقة أو محمية كبيرة أو متنزهًا واسعًا يُلحق بالقصر الأموي، بحيث يجمع بين وظيفة الحماية ووظائف الاستجمام والإقامة وممارسة الأنشطة الملكية.
وبهذا أصبح المكان نفسه حاجزًا أمام استمرار الخصومة والملاحقة، وأصبح الدخول إلى نطاقه انتقالًا من فضاء الخصومة إلى فضاء الأمان؛ إذ تفرض حرمة المكان وسلطة حاميه التوقف عن ملاحقة المستجير أو إراقة الدم في حدوده. وفي هذه الصورة تتجلى أهمية المكان بوصفه طرفًا غير مباشر في عملية الحماية وتهدئة النزاع؛ فهو لا ينهي الخصومة بالضرورة، لكنه يفرض عليها التوقف، ويمنح المستجير مساحة من الأمان تحول دون استمرار العنف داخل حدوده، بما يجعل المكان أداةً من أدوات الضبط والتوازن الاجتماعي والسياسي.
وبالإضافة إلى وظيفة الحماية والحرمة، ارتبطت هذه الحوائر في البيئة الأردنية الأموية بإدارة المياه واستغلالها، حيث جرى إنشاء الأحواض والقنوات والمنشآت المائية لحصر مياه الأمطار والسيول وتخزينها وتوجيهها، بما يوفر المياه للقصر ومرافقه، ويدعم أعمال الزراعة واستصلاح الأراضي المحيطة به. وهكذا لم يكن الحائر فضاءً للحماية فحسب، وإنما أصبح أيضًا منظومة متكاملة لإدارة الموارد الطبيعية، ولا سيما المياه، في بيئة اتسمت بالحاجة إلى تنظيم مصادر المياه والاستفادة القصوى منها.
كما تحولت بعض هذه الحوائر إلى محميات مخصصة للصيد وتربية الحيوانات، فكانت تُجمع فيها الغزلان وغيرها من الحيوانات، بما في ذلك بعض الحيوانات المفترسة، إلى جانب أنواع من الطيور، لتكون مهيأة لرحلات الصيد التي كان يقوم بها الخلفاء والأمراء الأمويون، سواء داخل الحائر أو عند الخروج إلى البادية. وبذلك أصبح المكان يجمع بين الحماية والحفظ من جهة، وممارسة الصيد والترفيه السلطاني من جهة أخرى، ضمن فضاء محمي يخضع لسلطة الدولة ويتميز بحدود واضحة وحرمة خاصة.
كما ارتبطت هذه الحوائر بجهود استصلاح الأراضي واستغلالها، ولا سيما في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية، حيث جرى تطوير الأراضي وتحويل أجزاء منها إلى بساتين ومزارع وفضاءات خضراء تعتمد على أنظمة جمع المياه وتخزينها وتوزيعها. وأصبحت هذه المواقع وجهات يرتادها الخلفاء والأمراء الأمويون للإقامة والاستراحة وممارسة الصيد والاستمتاع بالبساتين، الأمر الذي جعل الحائر نموذجًا يجمع في آن واحد بين الحماية والسلطة وإدارة المياه والزراعة والصيد والاستجمام، ويعكس استمرار فكرة «الجلجال» في صورة تاريخية جديدة تتلاءم مع طبيعة الدولة الأموية ومؤسساتها ومجالها السلطاني.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك هو قصر الحائر الغربي والشرقي في بادية الشام، إضافة إلى المنتزهات والمنشآت المائية الملحقة بالقصور الأموية في الأردن كـ قصر المشتى وقصير عمرة وقصر الحلابات.
وفي صور أخرى، ارتبط مفهوم الجلجال بالدوائر والمجالات المكانية التي تحيط بالمقامات والأضرحة المنسوبة إلى الأنبياء والأولياء، والتي عُرفت في بعض البيئات باسم «الحوطة»، فأصبحت القداسة الدينية للمكان مصدرًا إضافيًا لتعزيز حرمته ومكانته. ولم تعد حرمة المكان مستمدة من العرف وحده، وإنما تداخلت معها الذاكرة الدينية والشعبية وما تراكم حول هذه المواضع من معتقدات وروايات وممارسات، فأصبح المقام مركزًا رمزيًا تتجمع حوله معاني الحماية والاستجارة والاحترام والتوقير.
وتحولت تلك المواضع إلى فضاءات يُفترض أن تتراجع فيها الخصومة أمام حرمة المقام، وأن يخضع سلوك المتخاصمين والخصوم لقواعد تتناسب مع قدسية المكان ومكانته في وجدان المجتمع، بحيث يصبح الاقتراب من حرمته أو انتهاكها خروجًا عن الأعراف التي تحكم العلاقة بين الجماعة والمكان المقدس.
وهكذا نلاحظ أن الجلجال لم يكن مفهومًا جامدًا أو ثابت الصورة، بل ظل قادرًا على التكيف مع تقلب الزمان، وتغير طبيعة المكان، واختلاف وظائفه الاجتماعية والدينية والسياسية. فقد تكون حرمته مستمدة من كونه موضعًا للحماية والاستجارة، وقد تتخذ صورة «الحائر» ذي الحدود والحماية السلطانية، وقد تتعزز بوجود مقام أو ضريح ذي مكانة دينية وروحية في الذاكرة الشعبية.
وعلى الرغم من اختلاف هذه الصور وتعدد وظائفها، فإن القاسم المشترك بينها جميعًا يتمثل في وجود حدود مكانية وأخلاقية للخصومة، تجعل من العنف والثأر أفعالًا غير مطلقة، وتخضعها لقيود يفرضها العرف وحرمة المكان والمعتقدات المرتبطة به. ومن هنا يظهر الجلجال بوصفه آلية تاريخية للتوازن، تحول دون امتداد الخصومة إلى كل المجالات، وتُبقي دائمًا على مساحات من الأمان والحرمة داخل المجتمع، بما يجعل المكان ذاته عنصرًا فاعلًا في تنظيم السلوك الإنساني والحد من دائرة العنف.
وفي صور أخرى، ارتبط مفهوم الجلجال بالدوائر والمجالات المكانية التي تحيط بالمقامات والأضرحة المنسوبة إلى الأنبياء والأولياء، والتي عُرفت في بعض البيئات باسم «الحوطة»، فأصبحت القداسة الدينية للمكان مصدرًا إضافيًا لتعزيز حرمته ومكانته. ولم تعد حرمة المكان مستمدة من العرف وحده، وإنما تداخلت معها الذاكرة الدينية والشعبية وما تراكم حول هذه المواضع من معتقدات وروايات وممارسات، فأصبح المقام مركزًا رمزيًا تتجمع حوله معاني الحماية والاستجارة والاحترام والتوقير.
وتحولت تلك المواضع إلى فضاءات يُفترض أن تتراجع فيها الخصومة أمام حرمة المقام، وأن يخضع سلوك المتخاصمين والخصوم لقواعد تتناسب مع قدسية المكان ومكانته في وجدان المجتمع، بحيث يصبح الاقتراب من حرمته أو انتهاكها خروجًا عن الأعراف التي تحكم العلاقة بين الجماعة والمكان المقدس.
وهكذا نلاحظ أن الجلجال لم يكن مفهومًا جامدًا أو ثابت الصورة، بل ظل قادرًا على التكيف مع تقلب الزمان، وتغير طبيعة المكان، واختلاف وظائفه الاجتماعية والدينية والسياسية. فقد تكون حرمته مستمدة من كونه موضعًا للحماية والاستجارة، وقد تتخذ صورة «الحائر» ذي الحدود والحماية السلطانية، وقد تتعزز بوجود مقام أو ضريح ذي مكانة دينية وروحية في الذاكرة الشعبية.
وعلى الرغم من اختلاف هذه الصور وتعدد وظائفها، فإن القاسم المشترك بينها جميعًا يتمثل في وجود حدود مكانية وأخلاقية للخصومة، تجعل من العنف والثأر أفعالًا غير مطلقة، وتخضعها لقيود يفرضها العرف وحرمة المكان والمعتقدات المرتبطة به. ومن هنا يظهر الجلجال بوصفه آلية تاريخية للتوازن، تحول دون امتداد الخصومة إلى كل المجالات، وتُبقي دائمًا على مساحات من الأمان والحرمة داخل المجتمع، بما يجعل المكان ذاته عنصرًا فاعلًا في تنظيم السلوك الإنساني والحد من دائرة العنف.
وتتضح هذه الدلالة في القصة القرآنية لموسى عليه السلام عند ماء مدين، في جنوب الأردن، حين وجد ابنتي شعيب الحفيد / الرجل الصالح / يثرون المدياني تذودان، فقالتا: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾. ويضعنا هذا المشهد القرآني أمام مجتمع ارتبطت فيه المياه بالرعي والسقيا وتنظيم الوصول إلى المورد، ويكشف أن التعامل مع الماء لم يكن مسألة فردية منعزلة، بل كان جزءًا من نظام اجتماعي فرضته طبيعة الحياة حول موارد المياه، وما تقتضيه من تنظيم وتعاون ومراعاة لحقوق الجماعة والأفراد.
ومن المهم هنا ألا نحمّل النص القرآني أكثر مما يحتمل، وإنما نستأنس به في بيان قِدم العلاقة بين الماء والتنظيم الاجتماعي، وفي إبراز أهمية المورد المائي في حياة المجتمعات، وضرورة مراعاة حقوق الآخرين في الوصول إلى هذا المورد الحيوي الذي تقوم عليه الحياة والاستقرار.
ومن هذه الزاوية، تتضح قيمة المقارنة بين مفهوم الجلجال وبعض صور العرف الأردني وبين المشاهد التي حفظها لنا التراث الديني؛ فالقاسم المشترك بينهما ليس بالضرورة وحدة الأصل التاريخي أو التطابق في الممارسة، وإنما وجود مبدأ إنساني واجتماعي عميق، يتمثل في الاعتراف بأن هناك مواضع وحقوقًا وضرورات لا ينبغي أن تمتد إليها يد الخصومة أو أن تصبح عرضة للصراع.
فالخصومة، مهما اشتدت، تبقى محصورة بين أطراف محددة، أما الماء والحرم والمكان المقدس والموارد الضرورية للحياة، فهي أمور تتجاوز حدود الخصمين وتمس الجماعة بأكملها، ولذلك نشأت حولها أعراف وقواعد تضبط الانتفاع بها وتحمي حرمتها، وتمنع تحولها إلى مجال مفتوح للثأر أو الاعتداء. ومن هنا يمكن فهم الجلجال، في بعض صوره، بوصفه تعبيرًا عن هذا المبدأ الاجتماعي المتجذر، الذي يضع حدودًا للخصومة ويستثني من دائرتها ما يتصل بحياة الجماعة وأمنها ومواردها ومقدساتها.
وعليه، فإن الجلجال يمكن فهمه بوصفه إحدى الآليات التي ابتكرها المجتمع الأردني التقليدي القديم للحد من العنف وحماية الروح والممتلكات , وتنظيم العلاقات داخل بيئة اجتماعية كان فيها الثأر والخصومة جزءًا من الواقع اليومي. فالمجتمع الذي عرف الثأر عرف، في الوقت ذاته، مواضع وحالات تُرفع فيها يد الثأر، وتوضع لها ضوابط وقواعد وعقوبات تحكمها، إدراكًا منه أن استمرار الخصومة بلا حدود يمكن أن يهدد تماسك الجماعة واستقرارها ووجودها.
ومن ثم احتاج المجتمع الأردني القديم إلى منظومة من الأعراف التي تضع حدودًا للعنف، وتحدد متى وأين يجب أن تتوقف الخصومة، وتستثني بعض الأشخاص والمواضع والموارد والمناسبات من دائرة الصراع، بما يحفظ الحد الأدنى من الأمن والتوازن داخل الجماعة.
ومن هنا تظهر أهمية الجلجال باعتباره وجهًا آخر من وجوه القانون العرفي الأردني القديم؛ فالقانون العرفي لم يكن قائمًا على العقوبة وحدها، ولا على مبدأ رد الاعتداء بالاعتداء، وإنما اشتمل كذلك على قواعد للحماية والاستجارة ووقف الخصومة واحترام حرمة المكان وتأمين موارد الحياة. وقد أسهمت هذه القواعد في إيجاد توازن دقيق بين حق الفرد في الدفاع عن نفسه أو عشيرته، وبين حاجة المجتمع إلى الحد من دائرة العنف ومنع تحول الخصومة إلى صراع دائم يستعصي على الاحتواء.
وبهذا المعنى، لم يكن الجلجال نقيضًا للثأر فحسب، بل كان إحدى الآليات العرفية التي وضعت للثأر نفسه حدودًا وعقوبات، وأبقت له مجالًا منضبطًا لا يسمح له بالامتداد إلى كل ما هو مقدس أو ضروري لاستمرار الحياة، الأمر الذي جعل منه أداة من أدوات حفظ التوازن الاجتماعي وصيانة الجماعة من الانهيار تحت وطأة النزاعات المتواصلة.
وفي هذا الإطار، يصبح انتقال الجلجال من المكان إلى الحائر، ومن الحائر إلى المقام، ومن المقام إلى مورد الماء، ليس بالضرورة انتقالًا من مفهوم إلى مفهوم آخر، وإنما يمكن النظر إليه باعتباره تحولًا في الوسيط الذي حملت من خلاله فكرة الحرمة وتجسدت في الواقع الاجتماعي. ففي مكان الحماية تكون الحرمة مرتبطة بالأمان والاستجارة، وفي الحائر تكون مرتبطة بحرمة الموضع وما يفرضه من حدود وحماية، وفي المقام تكون مرتبطة بالقداسة والروحانية وما ارتبط به من معتقدات وذاكرة دينية وشعبية،
أما في مورد الماء فتكون الحرمة مرتبطة بحق الحياة وضرورة المحافظة على مورد أساسي لاستمرار الجماعة. وعلى الرغم من اختلاف هذه الصور وتنوع وظائفها، فإن القاعدة العميقة التي تجمع بينها جميعًا تتمثل في وجود حدود للخصومة، وأن العنف لا يمكن أن يكون مطلقًا أو بلا قيود، وأن المجتمع يحتاج دائمًا إلى مساحات ومواقع وموارد تُعلّق فيها الخصومة، حمايةً للإنسان والمكان والحياة، وإبقاءً على قدر من التوازن داخل الجماعة.
ومن هنا يمكن القول إن دراسة الجلجال لا تقودنا فقط إلى فهم اسم قديم أو عادة عشائرية محددة، وإنما تفتح أمامنا بابًا لفهم جانب مهم من فلسفة المجتمع الأردني التقليدي في التعامل مع الأمن والخصومة والحماية والموارد والمقدسات. فهي تكشف عن مجتمع لم يكن ينظر إلى القوة باعتبارها حقًا مطلقًا، ولا إلى الخصومة باعتبارها مجالًا مفتوحًا بلا حدود، وإنما وضع لها ضوابط وأعرافًا وحدودًا تحد من امتدادها.
كما تكشف عن إقرار اجتماعي بوجود حالات ومواضع يصبح فيها احترام الحرمة أقوى من إرادة الخصم، ويصبح فيها الامتناع عن الاعتداء دليلًا على الالتزام بالعُرف واحترام الجماعة، لا علامة على الضعف أو العجز. ومن ثم فإن الجلجال يمثل، في أحد أبعاده العميقة، تعبيرًا عن قدرة المجتمع على إنتاج آليات داخلية لضبط القوة والحد من العنف، وتحويل بعض الأماكن والموارد والمقدسات إلى مناطق محمية تتوقف عند حدودها الخصومة، بما يحفظ للإنسان والمجتمع حقهما في الأمن والاستقرار.
كما أن ارتباط الجلجال بالماء يكشف عن بُعد بيئي مهم في هذه المنظومة؛ فالمجتمعات التي عاشت في البيئات الأردنية، ولا سيما في المناطق التي اتسمت بشح الموارد المائية، كانت أكثر إدراكًا لقيمة الماء وضرورته لاستمرار الحياة واستقرار الجماعة. ولذلك لم يكن تنظيم السقيا والانتفاع بمصادر المياه مسألة ثانوية، وإنما كان من القضايا التي تمس صميم الأمن والاستقرار الاجتماعي، وتستدعي وضع قواعد وأعراف تضبط الوصول إلى المورد وتحمي حقوق المنتفعين به.
ومن هنا يمكن فهم التداخل العميق بين العرف الاجتماعي والبيئة والجغرافيا، وكيف تحولت الحاجة إلى الماء من مجرد ضرورة مادية إلى قاعدة أخلاقية واجتماعية تفرض احترام حق الآخر في الوصول إلى مورد الحياة، وتمنع تحويل مصادر المياه إلى مجال دائم للخصومة أو الاعتداء.
وبذلك تتكامل في مفهوم الجلجال أربعة أبعاد رئيسة ومترابطة: البعد الروحي والغيبي، والبعد المكاني، والبعد الاجتماعي، والبعد الإنساني. فالجانب الروحي والغيبي يمنح المكان أو المورد معنى يتجاوز وظيفته المادية المباشرة، ويضفي عليه صفة القداسة والحرمة والرهبة، في حين يمنح البعد المكاني هذه الحرمة نطاقًا محددًا تُعرف حدوده وتُصان مكانته.
أما البعد الاجتماعي فيتمثل في اعتراف الجماعة بهذه الحرمة، والتزامها بحمايتها، ووضع الأعراف والقواعد التي تنظم التعامل معها وتحدد ما يجوز وما لا يجوز داخل نطاقها، بينما يمثل الإنسان الغاية الأساسية من هذه المنظومة، إذ تتجه الحماية في جوهرها إلى صون حياته وأمنه واستقراره وحقوقه. وعندما ينتقل مفهوم الجلجال إلى الماء يزداد هذا المعنى عمقًا واتساعًا، لأن الماء يتجاوز حدود الفرد والعشيرة، ولا تتوقف الحاجة إليه عند جماعة دون أخرى، بل يرتبط ارتباطًا مباشرًا باستمرار الحياة للإنسان والحيوان معًا.
ومن ثم يصبح احترام حرمة الماء وحق الانتفاع به صورة من صور احترام الحياة ذاتها، ويغدو تنظيم الوصول إليه جزءًا من منظومة أوسع لحماية الجماعة وتحقيق التوازن بين الأفراد والقبائل والمجتمعات، بحيث تتداخل في الجلجال الحرمة الروحية، والحدود المكانية، والمسؤولية الاجتماعية، والغاية الإنسانية في منظومة واحدة تضبط علاقة الإنسان بالمكان والمقدس والمورد والجماعة..
وعليه، فإن خلاصة هذا الفصل تتمثل في أن «الجلجال هو الملاذ الآمن الذي ابتدعه الأردنيون القدامى ضمن مبدأ الأمن والحماية للجميع من الجميع»، ويمكن أن يُقرأ باعتباره مفهومًا مركزيًا في فهم العلاقة بين الحرمة والخصومة والحماية والحياة في البيئة الأردنية التقليدية. فهو يعبّر عن فكرة راسخة مؤداها أن الخصومة، مهما بلغت حدتها، ليست مطلقة، وأن هناك أماكن وموارد وحقوقًا تتقدم حرمتها على رغبة الثأر، وتفرض على المتخاصمين التوقف عند حدودها.
ومن هنا جاءت صور الجلجال المختلفة: مكانًا يحمي المستجير، وحائرًا يوقف الملاحقة، ومقامًا تُصان حرمته، ومورد ماء تُعلّق عنده الخصومة، لتشكل جميعها صورًا متعددة لفكرة واحدة جوهرها توفير مساحة من الأمان والحماية داخل مجتمع عرف الخصومة والثأر، ووضع لها في الوقت ذاته حدودًا وضوابط تمنع تحولها إلى عنف بلا نهاية.
ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من ذلك أن قوة المجتمع لا تقاس فقط بقدرته على الأخذ بالثأر، وإنما تقاس كذلك بقدرته على معرفة متى يتوقف الثأر، وأين يجب أن تتوقف الخصومة، وما الحقوق والمقدسات والموارد التي لا يجوز المساس بها حتى في أشد حالات النزاع. وفي هذا المعنى يصبح الجلجال شاهدًا على وجود ميزان عرفي اردني موغل في القدم , حاول أن يوفق بين حق الجماعة في حماية نفسها والدفاع عن حقوقها، وبين ضرورة صيانة الحياة وحفظ حرمة المكان والمورد والمقدس.
ومن ثم لم يكن الامتناع عن الاعتداء داخل نطاق الجلجال دليلًا على الضعف أو التراجع، بل كان في جوهره تعبيرًا عن قوة المجتمع الأردني وارادته , وقوة العرف وقدرته على إلزام أطراف الخصومة باحترام حدود تتجاوز إرادة الأفراد والجماعات المتنازعة.
وقد ظهر لنا أن الجلجال لم يكن مجرد ممارسة عابرة أو عرفًا محدودًا بزمان أو مكان، وإنما يمكن النظر إليه باعتباره إحدى صور التنظيم الاجتماعي التي سعت إلى إيجاد التوازن بين القوة والحرمة، وبين الخصومة والحماية، وبين حق الجماعة وحق الإنسان والحياة. وهنا يأتي السؤال التالي: كيف انتقلت هذه الفكرة من مجرد ممارسة عرفية مرتبطة بالمكان والظرف إلى منظومة أكثر اتساعًا من القواعد التي نظمت الاستجارة والحماية والخصومة والثأر في المجتمع الأردني؟ وما هي المصطلحات والأعراف التي تفرعت عنها، وكيف كانت تعمل عمليًا بين العشائر والقبائل؟ وهذا ما نبحثه في الفصول القادمة بعون الله تعالى