الاخلاق تُختبر عند الاختلاف وليس عند الاتفاق
د. محمد حيدر محيلان
14-09-2026 04:10 PM
يسهل على الإنسان أن يكون لطيفًا حين تسير الأمور كما يريد، وأن يوزّع الثناء حين يجد من يوافقه. وقد ترى من يرفعك بمديحه إلى أعلى عليّين، ويصفك بما لم تدّعه لنفسك، حتى إذا اختلفت معه في رأي، أو اعتذرت عن طلب، أو خالفت له رغبة، أهوى بك إلى أسفل سافلين. كأن فضائلك التي رآها بالأمس لم تكن سوى ثمنٍ لموافقتك.
في لحظة الغضب قد تتبدّل اللغة: يتحول العتاب إلى تجريح، والنقد إلى اتهام، ويصبح خلاف صغير حكمًا على أخلاق الإنسان كلها. وربما نسب إليك الغاضب ما هو أَولى أن يراجعه في نفسه، واستحضر كل ما يعرفه عنك ليجعله سلاحًا عليك. ولو استطاع بعض الناس أن يمحو من يختلف معهم بكبسة زر «Delete»، لفعلوا قبل أن يسمعوا منه كلمة واحدة.
والأسوأ أن ينتقل الخلاف إلى التراشق على الملأ عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ فيشهد الجميع هبوط مستوى الحوار، بينما يظن كل طرف أنه ينتصر لنفسه. فما يُقال في لحظة انفعال قد يبقى منشورًا طويلًا، وما كان يمكن حله بكلمة هادئة بين شخصين يتحول إلى خصومة يتداولها الناس ويضيفون إليها من عندهم.
وهنا يظهر معدن الأخلاق. فحسن الخلق لا يعني ألّا نغضب، ولا يفرض علينا قبول الإساءة أو التنازل عن حقوقنا، بل يعني أن نختلف دون أن نظلم أو نبخس، وأن نردّ دون أن نفتري، وأن نحفظ للآخر قدره الإنساني حتى ونحن نرفض قوله أو فعله. من حقك أن تضع حدًا لعلاقة تؤذيك، لكن ليس من حق الغضب أن يزوّر الحقيقة أو يبيح لك هدم سمعة صاحبها.
ليس كل خلاف نهاية مودة، وليس كل من خالفنا عدوًا. قد نكتشف أننا أخطأنا، وقد يكتشف الآخر خطأه، وقد نبقى مختلفين ونفترق باحترام مع بقاء المودة. أما أن نمدح الإنسان ما دام معنا ونجرّده من كل فضيلة حين يغادر صفّنا، فذلك لا يكشف حقيقته بقدر ما يكشف هشاشة ميزاننا وتراجع أخلاقنا.
الخلق العظيم أن تملك نفسك حين تغضب وتشتد رغبتك في الإيذاء أو الانتقام، وأن تقول الحق حتى فيمن خالفك. فإن أساء، فلا تجعل إساءته ترخيصًا لإساءتك، ولا تجعل «واحدة بواحدة والبادي أظلم» قاعدة تحكم سلوكك. خذ موقفك، واحفظ كرامتك، ثم امضِ دون أن تنزل إلى موضع لا يليق بك. ففي ساعات الصفاء يعرف الناس ما نقول عن الأخلاق، وفي ساعات الاختلاف يعرفون مقدار ما نملك منها.
ورحم الله الإمام الشافعي؛ فقد نُسبت إليه حكمة تلخّص أدب الاختلاف: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب». فلنختلف ونحن نبحث عن الحقيقة، لا عن وسيلة لإسقاط بعضنا بعضًا.