لماذا لا نكتب بأرقامنا العربية؟
د. محمد حيدر محيلان
16-09-2026 09:20 AM
تستخدم المؤسسات الرسمية والتعليمية في الأردن الأرقام ١٢٣٤٥٦٧٨٩٠، المعروفة شائعًا بالأرقام الهندية، بينما يستخدم العالم الأرقام 1234567890 التي تُعرف عالميًا بالأرقام العربية. وقد يبدو الاختلاف شكليًا، لكنه يتصل بموروثنا الحضاري، وكفاءة الإدارة، ووضوح التواصل، ومتطلبات التعليم والتحول الرقمي.
تاريخيًا، تعود جذور النظام العددي القائم على القيمة المكانية والصفر إلى الهند، ثم أخذه العلماء المسلمون وطوّروه ونشروه. وتفرعت عنه صورتان: مشرقية هي ١٢٣٤، ومغربية أندلسية تطورت إلى 1234، ثم انتقلت إلى أوروبا عبر الحضارة العربية الإسلامية؛ ولذلك عرفها العالم باسم «الأرقام العربية».
وتنتشر رواية تربط أشكال 1234 بعدد الزوايا؛ فالواحد زاوية، والاثنان زاويتان، والثلاثة ثلاث، بينما الصفر بلا زوايا. وهي فكرة مقنعة هندسيًا وتعليميًا، وإن لم يثبت أن الخوارزمي ذكرها أو صمم الأرقام على أساسها. ويبقى له وللعلماء المسلمين فضل كبير في تطوير هذا النظام ونشره عالميًا.
أما استمرار الأردن في استعمال ١٢٣٤ فهو امتداد للموروث الإداري والتعليمي المشرقي، وليس نتيجة قرار حديث بترك 1234. وقد استمر هذا العرف من دون مراجعة جادة لمدى ملاءمته لمتطلبات العصر.
إن الدعوة إلى اعتماد 1234 ليست تقليدًا للغرب، الذي اخذ هذه الارقام من العرب أصلا ، وقد افلح بذلك ، بل تمسك بجزء من الموروث العلمي العربي الذي انتقل من المغرب والأندلس إلى العالم. وهي، في تقديري، أكثر جمالًا وبساطة ووضوحًا من الأرقام المشرقية، وتمنح الوثائق واللوحات والنماذج مظهرًا أكثر اتزانًا وأقل ازدحامًا.
كما أن استخدامها يسهل التواصل الدولي، ويتوافق مع البرمجة وقواعد البيانات والمصارف والتجارة والطيران والشحن والبحث العلمي. وهو يقلل أخطاء الإدخال والبحث الإلكتروني، ويتجنب اضطراب اتجاه الكتابة عند الجمع بين العربية والإنجليزية، ويوحد ما يتعلمه الطالب مع ما يستخدمه لاحقًا في الجامعة والعمل.
وتظهر إحدى صور الازدواجية في لوحات المركبات، حيث يُكتب الرقم بصورتين من دون إضافة معلومة جديدة، بينما يمكن اعتماد 1234 وحدها وتكبيرها لتصبح أسرع قراءة وأكثر وضوحًا وجمالًا. كما قد يحجب مسمار التثبيت جزءًا من الصفر (٠ ) في الأرقام المشرقية، فيزيد احتمال الالتباس. عدا عن ان الصفر الهندي في الكتابة والمراسلات اذا كان رقما من عدد او مبلغ مالي ربما يختلط مع الكلام ويضن انه نقطة اخر السطر . وهذه مجرد امثلة عملية ضمن قضية أوسع تتعلق بتوحيد لغة الأرقام في الدولة.
ومن هنا نتطلع إلى صاحب القرار في الأردن لتوجيه الدوائر الحكومية ووزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي والمؤسسات الرسمية نحو اعتماد الأرقام العربية 1234567890 تدريجيًا في المراسلات والمناهج والأنظمة الإلكترونية والنماذج والوثائق الجديدة، وفق دليل وطني موحد ومدة انتقالية مناسبة.
إنها ليست قضية شكل أو لوحة مركبة، بل قضية موروث عربي، وهوية علمية، ووضوح، وتواصل، وكفاءة إدارية ورقمية. لقد أخذ العالم هذه الأرقام عن حضارتنا وطوّر استخدامها؛ أفلا يجدر بنا أن نعيد الاعتبار إليها ونعتمدها؟