فرح .. يدٌ للعون لا بديلٌ عن الإنسان
م.ساجدة الجندي
16-09-2026 02:14 PM
أثار ظهور «فرح»، الناطق الرقمي بالذكاء الاصطناعي، اهتمامًا واسعًا، ليس فقط لأنها تجربة جديدة في مجال التواصل الحكومي، وإنما لأنها تفتح بابًا مهمًا للنقاش حول مستقبل العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والكادر البشري.
ومن هنا، يبرز سؤال يستحق أن نطرحه بهدوء وموضوعية:
هل «فرح» جاءت لتكون إلى جانب الصحفي والناطق الإعلامي البشري، أم يمكن أن تصبح يومًا بديلًا عنه؟
فالناطق الإعلامي ليس مجرد شخص يقرأ نصًا أمام الكاميرا، والصحفي ليس مجرد ناقل للكلمات. خلف الرسالة الإعلامية إنسان يمتلك القدرة على التفكير، وفهم السياق، وطرح الأسئلة، والتعامل مع المواقف غير المتوقعة، وتقدير ما يحتاج إلى توضيح أو مراجعة، وتحمل مسؤولية الكلمة التي تصل إلى المواطن.
أما الذكاء الاصطناعي، مهما تطورت قدراته، فهو في النهاية تقنية وأداة تعتمد على البيانات والأنظمة والتعليمات التي يعمل من خلالها.
وهنا أرى أن القيمة الحقيقية لـ«فرح» لا يجب أن تكون في قدرتها على إلغاء دور الإنسان، وإنما في قدرتها على مساندة الإنسان وتطوير طريقة عمله.
يمكن لشخصية رقمية مثل «فرح» أن تساعد في تبسيط المعلومات، والإجابة عن الأسئلة المتكررة، وتسريع إيصال الرسائل، وتوفير الوقت والجهد، وربما الوصول إلى شرائح أكبر من المواطنين.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن تحل محل الكادر البشري.
بل على العكس، قد يكون النموذج الأكثر فاعلية هو أن تعمل التكنولوجيا والإنسان جنبًا إلى جنب.
هل يمكن أن نصل إلى «مئات من فرح»؟
هنا يبرز سؤال آخر أكثر عمقًا:
إذا نجحت تجربة الناطق الرقمي، فهل يمكن أن يأتي يوم يتم فيه الاستغناء عن الناطقين الإعلاميين في مختلف المؤسسات والمناصب، ويصبح لدينا عدد كبير من الشخصيات الرقمية التي تؤدي هذه الأدوار؟
هذا السؤال ليس تنبؤًا بأن ذلك سيحدث، ولكنه سؤال يجب أن نبدأ في مناقشته منذ الآن، خصوصًا مع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
فالتحول الرقمي يجب ألا يُقاس فقط بعدد الوظائف التي تستطيع التكنولوجيا أداءها، وإنما أيضًا بمدى قدرتها على تمكين الإنسان ورفع كفاءة العمل.
نحن لا نحتاج إلى ذكاء اصطناعي يُقصي الكادر البشري، وإنما إلى ذكاء اصطناعي يمنح هذا الكادر أدوات أفضل للعمل.
وماذا عن المسؤولية عند حدوث الخطأ؟
هناك نقطة أكثر حساسية.
إذا نشرت شخصية رقمية معلومة غير دقيقة، أو حدث خطأ في صياغة أو نقل معلومة، فمن يتحمل المسؤولية؟
لا يمكن أن تكون الإجابة: «الذكاء الاصطناعي أخطأ».
فالذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يتحول إلى طرف تُنقل إليه المسؤولية.
إذا كانت هناك مؤسسة أو جهة بشرية تعتمد المعلومات وتوافق على نشرها، فيجب أن تبقى هناك مسؤولية بشرية واضحة عن المحتوى المنشور، مع وجود مراجعة وتدقيق وآليات للتصحيح عند الحاجة.
فالآلة قد تنتج الكلام، لكنها لا ينبغي أن تُعفى المؤسسة أو المسؤول البشري من مسؤولية اعتماد هذا الكلام.
وماذا لو تعطلت «فرح»؟
وهنا نصل إلى سؤال تقني وعملي مهم جدًا:
أين تعمل «فرح»؟ وهل تعتمد على خوادم أو بنية تحتية رقمية محددة؟ وماذا يحدث إذا تعرض النظام لعطل؟
لا أطرح هذا السؤال باعتباره معلومة عن البنية التقنية الفعلية لـ«فرح»، وإنما باعتباره سؤالًا مشروعًا حول استمرارية العمل.
تخيلوا أن هناك خبرًا حكوميًا مهمًا وعاجلًا يجب إعلانه للمواطنين، وفي اللحظة نفسها حدث عطل تقني في النظام الذي تعمل من خلاله الشخصية الرقمية.
هل ننتظر عودة النظام؟
هل تصبح «فرح» في إجازة تقنية؟
أم يكون هناك بديل جاهز يستطيع تولي المهمة فورًا؟
هنا تظهر أهمية وجود خطة لاستمرارية العمل وبديل بشري واضح.
فحتى أكثر الأنظمة تطورًا يمكن أن تواجه عطلًا، أو انقطاعًا في الاتصال، أو مشكلة في الخوادم، أو خللًا برمجيًا.
ولهذا فإن وجود الناطق الإعلامي البشري لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره عائقًا أمام التحول الرقمي، بل يمكن أن يكون جزءًا من منظومة الأمان واستمرارية الخدمة.
التكنولوجيا يجب أن تساعدنا على الاستمرار، لا أن تجعلنا عاجزين عن الاستمرار في غيابها.
«فرح» إلى جانب الإنسان
ربما يكون النموذج الأفضل هو أن يكون هناك تكامل واضح:
فرح تساعد... والإنسان يراجع.
فرح تشرح... والإنسان يقدّر السياق.
فرح تسرّع الوصول إلى المعلومة... والإنسان يتحمل مسؤولية اعتمادها.
فرح تعمل في الظروف الطبيعية... والإنسان يكون جاهزًا عندما تحتاج الظروف إلى تدخل بشري.
بهذا الشكل تصبح التكنولوجيا إضافة حقيقية وليست بديلًا كاملًا عن الإنسان.
فالصحفي والناطق الإعلامي لا يمتلكان فقط القدرة على الكلام، بل يمتلكان الخبرة والتفكير والتفاعل وفهم الظروف المحيطة بالحدث، وهي عناصر مهمة في الاتصال مع المجتمع.
وفي المقابل، لا ينبغي أن ننظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره خصمًا للإنسان.
يمكن أن يكون شريكًا تقنيًا قويًا إذا استُخدم بالشكل الصحيح.
السؤال الحقيقي
ربما لا يكون السؤال الحقيقي:
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتحدث بدل الإنسان؟
فالإجابة التقنية قد تكون نعم.
لكن السؤال الأهم هو:
هل نريد أن يستبدل الذكاء الاصطناعي الإنسان في الوظائف التي تتطلب التفكير والتقدير والمسؤولية، أم نريد أن نجعله أداة تمنح الإنسان قدرة أكبر على أداء عمله؟
من وجهة نظري، يجب أن يكون الاتجاه نحو الخيار الثاني.
«فرح» يمكن أن تكون تجربة مهمة في مجال الاتصال الحكومي، ويمكن أن تقدم نموذجًا جديدًا للاستفادة من الذكاء الاصطناعي.
لكن نجاحها الحقيقي لا ينبغي أن يُقاس بعدد الوظائف البشرية التي يمكن أن تستبدلها، وإنما بمقدار ما تستطيع أن تقدمه للكادر البشري ومن أجله.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يتحدث بصوت يشبه صوت الإنسان، لكنه لا ينبغي أن يلغي الإنسان الذي يتحمل مسؤولية الكلمة.
وقد نصل مستقبلًا إلى تقنيات أكثر تطورًا، وربما نرى شخصيات رقمية في مؤسسات ومجالات مختلفة، لكن كلما زاد اعتمادنا على التكنولوجيا، زادت حاجتنا إلى التفكير في المسؤولية، والرقابة، والبدائل، واستمرارية العمل.
لذلك، رسالتي ليست ضد «فرح»، بل على العكس:
أهلًا بالتكنولوجيا عندما تكون في خدمة الإنسان.
أهلًا بالذكاء الاصطناعي عندما يختصر الوقت، ويبسّط المعلومة، ويرفع الكفاءة.
لكن يجب أن نتذكر دائمًا:
نريد «فرح» إلى جانب الإنسان، لا «فرح» بدل الإنسان.
لأن التكنولوجيا قد تتوقف للحظات، وقد يتعطل النظام، وقد تحتاج الخوارزمية إلى مراجعة...
أما المواطن، فلا يمكن أن نطلب منه أن ينتظر حتى تعود التكنولوجيا للعمل.
يجب أن يبقى هناك دائمًا إنسان حاضر، يفكر، يراجع، يجيب، ويتحمل المسؤولية.