facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من إرث المواجهة إلى مسؤولية الأجيال


ميس القضاة
30-10-2026 01:36 PM

ليس الوطن في لحظات الحزن أمام اختبار المشاعر وحدها، بل أمام اختبار الوعي والمسؤولية أيضاً، فبعض الأحداث لا تنتهي بانتهاء تفاصيلها، بل تترك أسئلة تستوجب مراجعة أعمق لما نواجهه، وما نملكه من أدوات، وما ينبغي أن نحميه في مستقبل أجيالنا.

لقد كان الأسبوع الماضي، بما حمله من ألم باستشهاد أردنيين في الاعتداء على كنيسة حمود في الكرك، محطة موجعة في الذاكرة الوطنية. لكن دلالة ما حدث تتجاوز الجريمة ذاتها؛ فالاعتداء على الإنسان ومكان العبادة يمس جوهر القيم التي يقوم عليها المجتمع الأردني: المواطنة، والمساواة بين أبنائه، والعيش المشترك الذي لا ينتقص فيه اختلاف الدين أو المعتقد من حقوق الإنسان وكرامته.

فالأردن لم يُبنَ على التفرقة بين أبنائه، ولم تكن المواطنة امتيازاً لفئة دون آخر. فالأردنيون متساوون في حقوقهم وواجباتهم وكرامتهم، ولا يجوز أن يكون الاختلاف سبباً للإقصاء أو الانتقاص من الحقوق. فالمساجد والكنائس جزء من المشهد الوطني، وأمن الأردني وكرامته لا يتجزآن باختلاف دينه أو معتقده. وهذه ليست مجرد قيم اجتماعية، بل أسس وطنية تحمي المجتمع وتصون وحدته.

لقد خاض الأردن على مدى سنوات طويلة مواجهة مع الفكر المتطرف، وراكم تجربة في حماية أمنه واستقراره، وتعزيز الاعتدال وصون نسيجه الاجتماعي. لكن امتلاك تجربة في مواجهة تحديات الماضي لا يعني أن أدواتها وحدها تكفي لمواجهة تحديات المستقبل؛ فالتطرف يتغير في أشكاله ووسائل انتشاره، وتتطور قدرته على التأثير في العقول. ومن هنا، تصبح المواجهة مسؤولية متجددة تتطلب تطوير أدواتها وفهم التحولات التي طرأت على طبيعة التأثير الفكري.

فالمطلوب اليوم ليس التعامل مع التطرف باعتباره فعلاً يظهر في لحظة معينة فحسب، بل فهم المسارات الفكرية والاجتماعية التي قد تسبقه، والبيئات التي تسمح بنموه، والفراغات التي يمكن أن يستغلها. فالأمن يحمي المجتمع من التهديد المباشر، لكن الوعي يحميه من الأفكار التي تنتج ذلك التهديد، ولا تكتمل المواجهة إلا بتكامل الجانبين.

وتتضاعف هذه المسؤولية أمام التحولات التي يعيشها الجيل الجديد، فلم تعد الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات التقليدية مصادر التأثير الوحيدة، بل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي فضاءات لصناعة الرأي وتشكيل القناعات، تتنافس فيها الأفكار على جذب الانتباه والتأثير. وفي هذا العالم قد يجد خطاب الكراهية والتحريض طريقه إلى الشباب عبر محتوى سريع ومتكرر، يستثمر في الانفعالات أو الإحباط أو البحث عن إجابات، ويستغل أحياناً محدودية القدرة على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة.

ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لم يعد مجرد الوصول إلى المعلومة، بل امتلاك القدرة على فهمها وتحليلها والتحقق منها. ففي عالم تتدفق فيه الأخبار والصور ومقاطع الفيديو والروايات بلا توقف، لا تكمن المعرفة في كمية ما يتلقاه الإنسان، بل في قدرته على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين المعلومة والرأي، وبين المحتوى الموثوق وما يُصنع بقصد التأثير والتوجيه. نحن بحاجة إلى جيل لا يكتفي بالمشاهدة وإعادة النشر، بل يسأل عن المصدر، ويفحص السياق، ويقارن الروايات، ولا يسمح للعناوين المثيرة أو الصور المفبركة أو الحملات الموجهة بأن تصنع مواقفه نيابة عنه.

لكن بناء الوعي لا يتوقف عند التحقق من المعلومات؛ فالشاب الذي يستطيع اكتشاف التضليل يحتاج أيضاً إلى القدرة على فهم الآخرين، والاستماع إلى وجهات نظرهم، ومناقشة الأفكار دون أحكام مسبقة. فالمناعة الفكرية تتعزز بالفضول المعرفي، والانفتاح على الأسئلة، والوعي بالذات والآخر، والقدرة على مراجعة المواقف وفهم الظروف التي تشكل آراء الآخرين. إننا نريد جيلاً يستطيع الاختلاف دون خصومة، والحوار دون إقصاء، والتعبير عن موقفه دون الانتقاص من كرامة من يخالفه.

ومن هنا، فإن مواجهة التطرف تتطلب الانتقال بالشباب من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في صناعة الوعي. فليس المطلوب أن نخبرهم دائماً ماذا يصدقون وماذا يرفضون، بل أن نمنحهم المهارات التي تمكنهم من التفكير المستقل، وتقييم الأفكار، والإصغاء الفعّال، والتواصل، والتعاطف، ورؤية القضايا من وجهات نظر متعددة، وإدارة الخلاف والتعامل مع النزاعات بالحوار بدلاً من التصعيد. فالمجتمع الذي يمتلك أفراده القدرة على التفاهم وتسوية الخلافات يمتلك مناعة أكبر في مواجهة الخطابات التي تحول الاختلاف إلى عداوة.

وهذا يستدعي دوراً متجدداً للمدارس والجامعات والأحزاب والمؤسسات الإعلامية والدينية والمجتمعية؛ بحيث لا يقتصر دورها على نقل المعرفة أو تقديم الرسائل التوعوية، بل يمتد إلى تنمية مهارات عملية تُمارس في الحياة اليومية. كما ينبغي أن تتحول منصات التواصل من مساحات لاستهلاك المحتوى إلى أدوات لإنتاج المعرفة ونشر الوعي والمشاركة الإيجابية، مع إدراك مسؤولية الكلمة وأثرها في الآخرين والمجتمع. وتبقى المرأة شريكاً أساسياً في بناء هذا الوعي وتعزيز ثقافة الحوار واحترام الاختلاف داخل الأسرة والمؤسسات والمجتمع.

وتبقى المواطنة والعيش المشترك أساساً لهذه الجهود؛ فلا يمكن بناء مجتمع يحترم الاختلاف دون ترسيخ المساواة بين جميع أبنائه، ودون الإيمان بأن الأردنيين شركاء في الوطن، كما أن الاختلاف الفكري والثقافي لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للخصومة أو الإقصاء، بل يجب أن يكون الحوار وسيلة لفهمه وإدارته.

إن الأردن لا يبدأ اليوم مواجهة التطرف من جديد، لكنه أمام مسؤولية متجددة تفرضها طبيعة العصر، فالتجربة التي راكمها في حماية أمنه ووحدته يجب أن تتحول إلى معرفة ومهارات تنتقل إلى الأجيال الجديدة، حتى تكون قادرة على مواجهة التحديات التي لم تعد حدودها جغرافية، بل أصبحت فكرية وإعلامية ورقمية أيضاً.

لقد كان أسبوعاً من الحزن، لكنه كان أيضاً تذكيراً مؤلماً بأن الأفكار قد تتحول إلى أفعال تستهدف الإنسان والوطن معاً. لكن الوفاء للشهداء لا يكتمل بالحزن والاستنكار فقط، بل بحماية القيم التي استُهدف الوطن من خلالها، وترسيخ المواطنة التي لا تفرق بين أردني وأردني، والعيش المشترك الذي لا يقصي أحداً، وبناء جيل يمتلك المعرفة والقدرة على التفكير والتحقق والحوار وقبول الاختلاف.

فمن إرث المواجهة نستمد الخبرة، ومن ألم الحاضر نستخلص المسؤولية، وبناء الإنسان الواعي القادر على التفكير والفهم والتحقق والحوار هو الطريق لصون الأردن ومستقبله.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :