هل تمكن الحوثيون من السيطرة على باب المندب أم "مُكِّنوا منه"؟
د. عماد الحمادين
17-09-2026 09:28 PM
كيف يمكن لجماعة الحوثي المُحاربين في الجبال من قوات الشرعية اليمنية وبعض القوى الاقليمية ولديهم على الاقل خمس جبهات قتالية مفتوحة من أن يزحفوا ويسيطروا على ممر مائي مهم في لحظة حرب اقليمية حرجة؟ مادور القوى الاقليمية في مساعدة الحوثي ليسيطر على باب المندب؟ ايران، روسيا، الصين؟
في الاسابيع الاخيرة كثفت قوات الحوثي الموالية لايران هجماتها على السعودية مهددة قدرة المملكة على تصدير البترول الى العالم وبالتالي زيادة اسعاره عالميا كما ترغب ايران. لكن عدم الرغبة الامريكية في مساعدة السعودية في مواجهة الحوثي في البحر الاحمر تترك اسئلة كثيرة مفتوحة بدون اجابات، ولكن خلاصة الاجابات تؤكد ان الحليف الامريكي في المنطقة لا يمكن الاعتماد علية في تأمين الحماية كما كان يعتقد سابقا.
يقول الدبلوماسي Michael Ratney السفير السابق الامريكي الى المملكة العربية السعودية "السعوديون الآن محبطون للغاية وان هذا هو أسوء السيناريوهات المتوقعة" ويقول ايضا ان سبب الاستثمارات السعودية الكبيرة في أمريكا هو الشراكة الامنية التي تحتاجها السعودية الان. كذلك يفسر Dan Shapiro في النيويورك تايمز سبب عدم الرغبة الامريكية في مساعدة السعودية هو ان الولايات المتحدة منشغلة بحرب مفتوحة مع ايران وقواتها البحرية منتشرة في المنطقة للرد على التهديدات الايرانية واذرعها في المنطقة، ولديها نقص في مخزونات الذخيرة الاستراتيجية. بما معناه ان الولايات المتحدة غير قادرة على خوض حربين بنفس الوقت حتى لو ارادت مساعدة السعودية. لكن هذا لا يعني طبعا ان المملكة تعتمد بالكلية على الولايات المتحدة في امنها ، بل تدرك منذ الحرب على ايران أن المظلة الامريكية الامنية لم تعد تتسع إلا لإسرائيل فقط، لذلك بحثت المملكة عن تحالفات استراتيجية مع قوى اقليمية أخرى يمكن لها ان تعوض هذا السيناريو السيء الذي يحدث الان. فكان اتفاق مكة كمحاولة لتعويض الفاقد الامريكي.
المملكة اصبحت تتعرض لهجمات من الحوثيين والفصائل العراقية المرتبطة بايران ومن الشرق ايضا مما يضع السعودية في هذه المرحلة كهدف يجب الضغط علية بشكل اكبر. الواضح أن السعوديون لايريدون محاربة الحوثي لوحدهم لكن التجربة السابقة والحملة العسكرية التي قامت بها ضد الحوثيين سابقا واستمرت حوالي عشر سنوات تجربة لا تريد ان تكررها ، بل تبحث عن تحالفات مع قوى اقليمية كبرى للمساعدة في منع الحوثيين من السيطرة على باب المندب ومنع هجمات الحوثيين عليها. لكن السؤال هو لماذا اتجه الحوثي بقوة الى مضيق باب المندب في هذا الوقت بالذات؟ ذلك له علاقة بحسابات بعض القوى الاقليمية والدولية في المنطقة واهمها روسيا والصين وايران والحوثيين انفسهم.
إيران بدأت تشعر بإنزلاق سيطرتها على مضيق هرمز باتجاة قد يجعل هذه الورقه المهمه غير مهمة في المفاوضات مع الولايات المتحدة. السبب الرئيسي الذي يجعل إيران تتمسك بالمضيق هو قدرتها على رفع أسعار الطاقة عالميا ، وبالتالي التاثير على الولايات المتحدة ودول الخليج العربي وزيادة الضغط العالمي باتجاة انهاء الحرب عليها. نجحت الاستراتيجية الايرانية بشكل جيد في بداية الحرب ،وحتى توقيع مذكرة التفاهم ، كانت ايران هي المستفيدة الاكبر من بنود المذكرة. لكن التمسك الشديد بهذه الورقة قد يكون من اهم أخطاء ايران الاستراتيجية. ذلك أن التعنت الايراني أجبر الولايات المتحدة ودول المنطقة المنتجة للنفط، وكذلك دول العالم المستهلكة للنفط على البحث عن بديل للتقليل من اهمية المضيق.
بدأت استراتيجية ايران للسيطرة على المضيق تقل اهميتها بسبب زيادة معدلات اخراج النفط من المضيق من خلال الممر الجنوبي العماني واستخدام ناقلات نفط عملاقة لاخراج كمية اكبر بعدد ناقلات نفط اقل ، وكذلك قيام الصين بتقليل استهلاكها من النفط واعتماد اكبر على الطاقة البديلة ومن الاسباب ايضا قيام بعض الدول المنتجة للنفط ، من غير دول الخليج، كالبرازيل بتعويض الفاقد العالمي من النفط الخليجي. أضف الى ذلك الخنق الاقتصادي والعقوبات غير المسبوقة التي فرضتها ادارة الرئيس ترامب واصبحت بديلا مقبولا عن الضربات العسكرية. تستطيع ايران الرد على الضربات العسكرية بشكل جيد لكنها الان عاجزة عن الرد على عملية المنبوذ الاقتصادي التي فرضتها الولايات المتحة بقوة. كل هذه الاجراءات ساعدت القتالاقتصاد العالمي على المرونة والتعافي وعدم قفز الاسعار بشكل يؤذي النمو العالمي كما كانت تامل إيران. لذلك كان لابد من ان تتحرك جبهة الحوثي لتسيطر على باب المندب وتضغط على السعودية بشكل خاص المصدر الاكبر للنفط وتعمل على خنق التجارة العالمية لاستخدامها كورقة تفاوض.
روسيا من الدول الكبرى التي لها مصلحة مباشرة في تقدم الحوثي باتجاة باب المندب. تكمن المصلحة الروسية اولا في رفع اسعار النفط العالمية فهي تستفيد بشكل مباشر من اي أزمة نفط وطاقة عالمية من ناحية ثانية زيادة تصدير نفطها المفروض عليه عقوبات امريكية قاتلة. وكذلك اشغال الولايات المتحدة والاروبيين من خلال تهديد الحوثي باغلاق باب المندب واستخدام الحوثيين ايضا كورقة في حربها مع اوكرانيا والاوروبيون. تشير كثير من التحليلات ان روسيا قد زودت الحوثيين باحداثيات مواقع واستخبارات متقدمة في حربهم مع اسرائيل والولايات المتحدة والسعودية. روسيا ايضا تريد ان تضغط على السعودية بشكل اكبر وتؤثر على علاقتها باوكرانيا وتزيد مشتريات السعودية من الاسلحة الروسية. أشارات تقايرير سابقة ان موسكو دعمت الحوثي سابقا نكاية في واشنطن والغرب. ووفقا لتحليل المجلس الاطلسي للبحوث ان الحوثيين لم يعودوا مجرد وكلاء لطهران بل اصبحوا أداة في يد الكرملين لتعزيز نفوذة في المنطقة ومواجهة الغرب.
ألتحالف بين روسيا والحوثيين لم يعد مجرد علاقة تكتيكية عابرة، بل تطور إلى شراكة عسكرية واستخباراتية متكاملة، وفقاً للخزانة الأميركية، تقدم وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU) مساعدات تقنية مباشرة في صنعاء، التي يسيطر عليها الحوثيون، تحت غطاء المساعدات الإنسانية، تشمل هذه المساعدات أنظمة تتبع بيانات متطورة عززت قدرات الحوثيين على استهداف السفن في البحر الأحمر بدقة، كذلك أشارت تقارير إلى تورط تاجر الأسلحة الروسي الشهير فيكتور بوت في عمليات تهريب أسلحة لمصلحة الحوثيين، مما يعكس عمق التعاون العسكري. السعودية ادركت هذا الامر مسبق وتحدثت مع روسيا بشانها ولكن يبدو ان روسيا لديها حسابات اكبر من العلاقة مع السعودية. دبلوماسياً، دعمت روسيا الحوثيين من خلال مواقفها في مجلس الأمن الدولي، ففي عام 2015 امتنعت موسكو عن التصويت على قرار 2216 الذي فرض حظراً على الأسلحة ضد الحوثيين، مما سمح ببقائهم كورقة سياسية وعسكرية فعالة.
تبرز الصين كلاعب خفي ولكنه فعال في دعم انصار الله الحوثيين، وعلى الرغم من الادعائات الصينية التقليدية الداعية الى السلام وعدم التدخل، تشير تقارير استخباراتية الى ان الصين دعمت الحوثيين بشكل كبير ولكن بطريقة غير مباشرة ومن خلال ايران، الراعي الرسمي للحوثيين. تمثل الدعم الصيني بتكنلوجيا مزدوجة الاستخدام كمكونات الصواريخ والطائرات المسيرة وصور الاقمار الصناعية. هذا الدعم لم يعزز فقط القدرات الحوثية العسكرية بل سبب خللا في توازن القوى مع الاطراف اليمنية الاخرى لذلك نرى التقدم الحوثي الاخير الى باب المندب دليل على حصولهم على مساعدات واستخبارات من دول مختلفة لديها حسابات مع الامريكيين والسعوجيينولاوروبيون.
رداً على ذلك، فرضت واشنطن سلسلة من العقوبات على شركات صينية لاتهامها بتزويد الحوثيين بتكنولوجيا تسليح متطورة، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية والمكونات الإلكترونية للطائرات المسيّرة والصواريخ. أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في أبريل (2025) عن عقوبات ضد شركة “تشانغ غوانغ” لتكنولوجيا الأقمار الصناعية (Chang Guang Satellite Technology Co) الصينية، متهمة إياها بتزويد الحوثيين بخدمات فضائية حساسة تُستخدم لاستهداف السفن الدولية في البحر الأحمر.لقد استفادت الصين بوضوح من عملية التوازن هذه؛ فالسفن الصينية غالبًا ما تُستثنى من استهداف الحوثيين في البحر الأحمر، بينما توجه الهجمات بشكل رئيسي إلى السفن الغربية. هذا الاستثناء غير المعلن يعزز فرضية وجود تفاهمات ضمنية، سواء كانت مباشرة أو عبر وسطاء، بين الحوثيين وبكين.
يبدو ان هذه العلاقات المركبة والمتشابكة بين جماعة انصار الله الحوثيين وروسيا والصين وايران تفسر سبب التفوق الحوثي المستمر على القوات الشرعية اليمنية وهي قد تكون سبب عدم قدرة السعوديين على تحقيق اختراق مهم خلال السنوات التي قاتلت فيها الحوثيين. اذن السعودية لديها كامل الحق الا تعود لتحارب الحوثي لوحدها مرة اخرى ولديها الحق ايضا في البحث عن تحالفات دولية واقليمية تساعد في الحد من سيطرة ايران على الممرات المائية لان هذه المشكلة وان كانت تؤثر بشكل نباشر على الممملكة العربية السعودية الا ان تاثيرها عالمي ايضا على اسعار الطاقة وتوازنات القوى في المنطقة.
* مركز الدراسات الاستراتيجية- الجامعة الاردنية