عبد المعطي العزب النسور .. سيرةٌ لا يغيب عنها صاحبها
بهاء الشنتير
18-09-2026 06:17 PM
ثمة رجال لا تنتهي حكايتهم حين تنتهي أعمارهم، ولا يغيب حضورهم حين يغيب الجسد؛ لأنهم يتركون وراءهم ما هو أبقى من المناصب، وأعمق من الأسماء، وأصدق من الذكريات. يتركون سيرةً تمشي بين الناس، وأخلاقًا تتناقلها الأجيال، ومحبةً لا تستطيع السنوات أن تطفئ وهجها. ومن هؤلاء الرجال المرحوم عبد المعطي العزب النسور، الذي غاب جسده منذ عقود، وبقي اسمه حاضرًا في ذاكرة من عرفوه، وفي وجدان أبنائه وأحفاده، وفي ذاكرة كل من لامست حياته سيرته.
كان عبد المعطي العزب النسور ابنًا للباشا محمد مبارك العزب، أحد الرجال المعروفين بالمكانة والاحترام، ونشأ في بيئة عرفت قيمة الاسم، وهيبة المسؤولية، وأصالة التعامل مع الناس. لكنه لم يكن ممن يستمدون حضورهم من مكانة العائلة وحدها؛ فقد صنع لنفسه سيرةً خاصة، قوامها الهدوء، والحكمة، والتواضع، وحسن المعشر، والقدرة على الوصول إلى الناس دون تكلف، وعلى جمع القلوب دون أن يطلب لنفسه وجاهة أو منزلة.
تخرج من مدرسة السلط الثانوية، أم المدارس، في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، عام 1938 أو 1939، في زمن كانت فيه الشهادة العلمية عنوانًا للطموح، وكان أبناء تلك المدرسة يحملون معها مسؤولية تتجاوز حدود التعليم إلى خدمة المجتمع والوطن.
ثم التحق بوزارة الداخلية، وبدأ مسيرته مديرًا للناحية في الشوبك، قبل أن تتدرج به المسؤولية في مواقع إدارية متعددة، فخدم في وادي موسى، ومعان، والشونة الجنوبية، والشونة الشمالية، وإربد، والرمثا، وعجلون، وبني كنانة، كما خدم في قلقيلية وطوباس، حتى انتهت مسيرته متصرفًا للواء الطفيلة.
ولم تكن هذه المواقع بالنسبة إليه مجرد محطات وظيفية تتعاقب في سجل الخدمة؛ فقد كان يترك في كل مكان شيئًا من حضوره الإنساني، ويأخذ معه شيئًا من ذاكرة الناس. في الشوبك بدأ مشواره الإداري، وفي وادي موسى ومعان عرفته مناطق الجنوب رجلًا هادئًا قريبًا من الناس، وفي الأغوار والشمال وإربد والرمثا وعجلون وبني كنانة امتد حضوره الإداري والاجتماعي، حتى غدا اسمه مرتبطًا بصورة المسؤول الذي يجمع بين هيبة الدولة وكرامة المواطن.
وفي قلقيلية وطوباس، حيث اتسعت جغرافيا خدمته إلى فلسطين، بقيت صورته امتدادًا لذلك النهج؛ مسؤولًا يعرف أن سلطة الموقع لا تكتمل إلا باحترام الناس، وأن القانون حين يقترن بالحكمة يصبح جسرًا لا حاجزًا. ولهذا ظل وصفه الذي عُرف به في الأردن، "الرجل الدافي"، أصدق من كثير من الأوصاف الرسمية؛ لأنه يختصر شخصية كانت ترى في المنصب مسؤولية، وفي الناس أهلًا، وفي التعامل معهم بابًا إلى الاحترام المتبادل.
أما في مدينة السلط، فكانت محبته بين أهلها امتدادًا طبيعيًا لمكانته في المدينة التي أنجبته، والمدينة التي صنعت جزءًا أصيلًا من شخصيته وذاكرته. أحبّه أهالي السلط لأنه كان واحدًا منهم في الروح والهوية، ولأنه حمل اسمها معه إلى المواقع التي خدم فيها، وظل قريبًا من أهلها وناسها ومناسباتهم. ولم يكن حضوره في ذاكرة السلط مرتبطًا بوظيفته وحدها، بل بصورة الرجل الذي يجمع بين الوقار والتواضع، وبين المكانة وقرب القلب، وبين المسؤولية ودفء المعاملة.
ولهذا لم يكن عبد المعطي العزب النسور حاكمًا إداريًا يمر من مكان إلى آخر، بل رجلًا يترك أثرًا حيثما حل؛ ففي الأردن بقي في ذاكرة الناس بصورة "الرجل الدافي"، وفي المناطق التي خدم فيها بقيت سيرته مرتبطة بالاحترام والحكمة وحسن التعامل، وفي فلسطين حمل معه ذات الصورة التي تجعل من المسؤولية خدمة، ومن المنصب أمانة، ومن احترام الناس أساسًا لأي حضور حقيقي.
وكان الذين عرفوه يصفونه بعبارة أردنية عميقة الدلالة: "الرجل الدافي"؛ أي الرجل النقي، الأصيل، المحترم، المتواضع، القريب من الناس، الذي تشعر في حضوره بالطمأنينة قبل أن تشعر بمكانته. وهي صفة لا تُمنح بسهولة، لأنها لا تصف مظهر الرجل، بل تصف ما يتركه حضوره في نفوس الآخرين.
وقد أحاط نفسه بصداقات واسعة مع رجال من مختلف أطياف المجتمع الأردني، وكان من أصدقائه الدكتور أحمد أبو قورة، والوزير فؤاد قاقيش، وسعود القاضي، وذوقان الهنداوي، وعودة المحادين، والشيخ فيصل الدغمي، إلى جانب عدد كبير من رجالات السلط والبلقاء وشخصيات المجتمع الأردني بمختلف مكوناته. ولم تكن تلك العلاقات مجرد معرفة اجتماعية، بل كانت انعكاسًا طبيعيًا لشخصية استطاعت أن تكسب احترام الناس دون أن تسعى إليه.
أما داخل أسرته، فقد كان عبد المعطي العزب النسور يدرك أن أعظم ما يمكن أن يتركه الأب لأبنائه ليس المال وا المكانة، وإنما المعنى؛ معنى أن يكون الإنسان محترمًا، متواضعًا، كريم النفس، واسع الصدر، محبًا للناس، بعيدًا عن صغائر الخلافات، حاضرًا في واجبات المجتمع وأفراحه وأتراحه.
ومن هنا ربّى أبناءه على الثقة، وعلى احترام الناس ومحبتهم، وعلى التسامح ونقاء القلب، وكان يصطحبهم معه إلى المناسبات الاجتماعية وبيوت العزاء، ليعلمهم بالفعل قبل القول أن الإنسان لا يعيش لنفسه وحدها، وأن الوقوف إلى جانب الناس في أفراحهم وأحزانهم من شيم الرجال.
وقد امتد هذا الإرث إلى أبنائه؛ نائل العزب "أبو العبد"، المحافظ السابق في وزارة الداخلية، والأستاذ محمد العزب "أبو مدين"، والدكتور وائل العزب "أبو أحمد"، استشاري التخدير والإنعاش. وكل واحد منهم يحمل من اسمه ومسيرته ما يجعل الأب حاضرًا في صورة الأبناء، لا بوصفه ذكرى عائلية فحسب، بل بوصفه قيمة تربوية وإنسانية ممتدة.
ولم يتوقف إرث عبد المعطي عند أبنائه، بل امتد إلى أحفاده الذين ينظرون إلى جدهم بكثير من الفخر والاعتزاز والإجلال؛ فهو بالنسبة إليهم ليس مجرد اسم في شجرة العائلة، ولا شخصية تنتمي إلى زمن مضى، بل قامة عائلية ووطنية كبرى، وسيرة مشرّفة يتوارثونها باعتزاز. ويكبر الفخر به في نفوسهم كلما عرفوا أكثر عن مسيرته، وعن احترام الناس له، وعن المواقع التي خدم فيها وطنه، وعن الأخلاق التي جعلت اسمه حاضرًا في ذاكرة من عرفوه.
إنهم يفتخرون به لأنه ترك لهم إرثًا لا تبليه السنوات ولا تقاس قيمته بالماديات؛ إرثًا من السمعة الطيبة، ونظافة السيرة، ورفعة الخلق، ومحبة الناس، وخدمة الوطن. وفي وجدان أحفاده، يبقى عبد المعطي العزب النسور واحدًا من أولئك الأجداد الذين لا تروى سيرتهم على سبيل الحكاية فحسب، بل تروى باعتبارها مصدر فخر، وعنوانًا للعائلة، ونموذجًا لما ينبغي أن يكون عليه الرجل حين يترك خلفه اسمًا يستحق أن يحمل برأس مرفوع.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه الأبناء والأحفاد لذكرى رجل كهذا، أن يظلوا أوفياء للقيم التي عاش بها؛ فكلما حملوا من أخلاقه شيئًا، وكلما أحسنوا إلى الناس، وكلما بقي اسم العائلة مرتبطًا بالمروءة والاحترام، كان ذلك امتدادًا حيًا لسيرته، وكأن الرجل الذي غاب عن الدنيا منذ عقود ما زال حاضرًا في ذريته، يمضي بينهم أخلاقًا وسلوكًا وذكرًا طيبًا.
وفي الخامس من كانون الأول عام 1980، رحل عبد المعطي العزب النسور عن الدنيا، لكن رحيله لم يكن نهاية حضوره. وقد بقيت مكانته حاضرة في نفوس من عرفوه، حتى إن جلالة الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، أوفد محافظ البلقاء آنذاك محمد الخطيب لتقديم واجب العزاء بوفاته، في مشهد يعكس ما كانت تمثله هذه الشخصية من احترام ومكانة.
وتزداد هذه السيرة جمالًا وصدقًا حين ترى أثر الرجل في أبنائه؛ إذ يصبح الحديث عنه ليس مجرد استعادة لسيرة رجل من الماضي، بل شهادة على أثر ما زال حاضرًا في الحاضر. وحين ترى في الأبناء شيئًا من أخلاق أبيهم، وفي حضورهم احترام الناس، وفي تعاملهم ذلك الهدوء والكرم والتواضع، تدرك أن بعض الآباء لا يرحلون تمامًا؛ لأن شيئًا منهم يبقى في طريقة أبنائهم، وفي نظرتهم إلى الناس، وفي علاقتهم بالمجتمع.
عبد المعطي العزب النسور لم يكن مجرد حاكم إداري مرّ على مواقع متعددة، ولا مجرد اسم في سجل وزارة الداخلية؛ كان واحدًا من رجال جيل أدركوا أن الوظيفة مسؤولية، وأن المنصب أمانة، وأن احترام الناس لا يفرض بالقوة، بل يكتسب بالسيرة. ولذلك بقي اسمه أكبر من الوظيفة، وبقيت شخصيته أوسع من المناصب التي شغلها، وبقي أثره أبعد من السنوات التي عاشها.
فالرجولة أخلاق، والوجاهة خدمة، والمنصب مسؤولية، والصداقة وفاء، والسمعة أمانة، وتربية الأبناء رسالة. وهذه المعاني هي التي صنعت لعبد المعطي العزب النسور مكانته، وهي التي جعلت أبناءه وأحفاده ينظرون إليه باعتزاز، وجعلت من عرفه يحتفظ له بمكان خاص في الذاكرة.
ولهذا بقي اسمه، وبقيت سيرته، وبقي أبناؤه يحملون شيئًا من نوره، وبقي أحفاده يرفعون الرأس فخرًا بجدهم، وبقيت محبته حاضرة في قلوب من عرفوه، وفي مقدمتهم أهالي مدينة السلط التي ظل اسمها حاضرًا في سيرته، وظل هو حاضرًا في ذاكرتها.
فبعض الرجال يرحلون عن الدنيا، لكنهم لا يرحلون من الذاكرة؛ لأنهم لا يتركون خلفهم مجرد اسم، بل يتركون سيرة، وأثرًا، وقيمًا، وأجيالًا تقول بمرور الزمن: كان هنا رجلٌ أحبّه الناس، فاستحق أن يبقى في الذاكرة.