ليست سوريا بلداً يحتاج إلى أن يُعاد بناؤه بالحجر أو الشجر أو البشر، بل وطناً يحتاج إلى أن يُعاد بناؤه في الوعي، وفي السياسة، وفي علاقة السوريين ببعضهم بعضاً. فبعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام والنزوح، لا يكفي أن تُفتح الطرق وتُرمّم المدارس والمستشفيات، بل يجب أن تُبنى دولة يشعر فيها السوري، أياً كان انتماؤه ومنطقته وخلفيته، أن له مكاناً فيها، وأن مستقبله لا يُرسم بعيداً عنه.
ومن هنا فإن إعادة تشكيل سوريا لا ينبغي أن تعني إعادة رسمها على صورة طرف واحد، وإنما بناء دولة تتسع للجميع. دولة تحتاج إلى دعم عربي ودولي حقيقي، لا يقوم على المساعدات المؤقتة وحدها، بل على الاستثمار وإعادة الإعمار وفتح أبواب الاقتصاد والتعليم والثقافة، ومساعدة السوريين على استعادة قدرتهم على إنتاج الحياة بأنفسهم. فالدول لا تُبنى بالنيات وحدها، ولا بالمؤتمرات، وإنما بالمؤسسات والعدالة والتنمية والثقة.
ولعل المشهد السوري الأخير، مع عودة أصالة إلى دمشق بعد غياب طويل، قدّم صورة بالغة الدلالة عن شيء أعمق من الفن. فقد جاءت إلى مسرح الفيحاء، وغنّت لسوريا التي حملتها معها طوال سنوات الغياب و الراحة -على النقيض- ، لأنّه مهما تم تقدير و تبجيل مسيرتها ، لا يمكن أبدا أن تقارن تضحيات أصاله بتضحيات أي أم شهيد أو نازح أو مسجون لم يرى النور لعقود.
ولهذا لم تكن الحفلة مجرد حفلة. لقد تحولت إلى مشهد تصدّر عناوين عربية واسعة، وأعاد إلى الواجهة سؤالاً : كيف يستطيع بلد أنهكته الانقسامات أن يجتمع، ولو لساعات، حول ذاكرته وصوته وتراثه؟
لقد كشفت تلك الليلة أن في سوريا شيئاً لم تستطع سنوات الحرب أن تقتله و هو القدرة على الاجتماع حول فكرة الوطن.
لكن علينا، في الوقت نفسه، ألا نختزل سوريا في حفلة، ولا في فنانة، ولا في صوت مهما كان جميلاً. الحفلة كانت صورة، وليست سوريا كلها. كانت لحظة من لحظات الوطن، وليست الوطن بأكمله.... وسوريا أكبر من مسرح الفيحاء، وأوسع من دمشق، وأعمق من أي أغنية.
سوريا هي دمشق وحلب، وهي حمص وحماة، وهي درعا ودير الزور، وهي إدلب والجزيرة والساحل والسويداء والبادية، وهي كل قرية ومدينة وبيت يحمل ذاكرة سورية. ولهذا فإن الحديث عن سوريا الجديدة لا يكتمل من دون الحديث عن المخاوف التي لا تزال موجودة لدى شرائح ومناطق مختلفة.
السويداء، مثلاً، تحتاج إلى تطمين سياسي وأمني واضح، وإلى أن تشعر بأن خصوصيتها وحقوق أبنائها ومكانتهم في الدولة السورية ليست موضع مساومة. والساحل كذلك يحتاج إلى رسائل دولة واضحة، لا إلى ترك المخاوف تتكاثر في الفراغ. والأمر نفسه ينطبق على كل منطقة أو جماعة تشعر بأن المستقبل قد يُكتب من دونها.
التطمين هنا ليس تنازلاً، بل سياسة دولة. والإنصات إلى المخاوف ليس ضعفاً، بل أحد شروط بناء الدولة. فلا يمكن لسوريا أن تطلب من مواطنيها أن يثقوا بها، من دون أن تُريهم عملياً أن القانون يحميهم، وأن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع.
وفي المقابل، على العقلاء من السوريين جميعاً أن يدركوا الحقيقة الأهم أن سوريا ليست ملكاً لطائفة، ولا لمنطقة، ولا لمدينة، ولا لفريق سياسي. سوريا للسوريين جميعاً.
وهنا تحديداً يمكن قراءة مشهد أصالة بصورة سياسية لا فنية فقط. حين اجتمعت ألوان المحافظات السورية في مشروع واحد، لم تختفِ الاختلافات... بل ظهرت الاختلافات بوصفها جمالاً. حلب لم تصبح دمشق، والسويداء لم تصبح الساحل، والجزيرة لم تفقد خصوصيتها كي تكون جزءاً من سوريا. بقي لكل منطقة صوتها، لكن الأصوات اجتمعت في عمل واحد.
وهذه ربما هي المعادلة التي تحتاجها سوريا...الوحدة لا تعني التشابه.
أن تكون سورياً لا يعني أن تتخلى عن لهجتك أو تراثك أو ذاكرتك المحلية، بل أن تجد في الوطن مساحة لكل ذلك. الدولة القوية ليست التي تجعل الجميع نسخة واحدة، وإنما التي تجعل التنوع آمناً، والاختلاف ممكناً، والمواطنة هي القاعدة التي تجمع الجميع.
من يقرأ سوريا في تلك الحفلة جيداً، لا يرى مطربة فقط قد يجمع و يختلفة عليها البعض ، بل يرى بلداً متنوعاً، مدهشاً، قادراً على أن يلمّ شمله حين يجد المناسبة التي تذكّره بنفسه. يرى شعباً يريد أن يفرح، بعد أن طال حزنه. ويرى ذاكرة سورية لا تزال حية، تنتظر دولة تستطيع أن تحميها وتجمعها، لا أن تستخدمها في صراعات جديدة.
ولذلك فإن اللحظة الأهم ليست أن تعود أصالة إلى دمشق فحسب، بل أن يستطيع كل سوري غادر بلده يوماً أن يشعر بأن العودة ممكنة، وأن يستطيع كل سوري بقي في بلده أن يشعر بأن المستقبل له، وأن تستطيع كل منطقة أن ترى نفسها في صورة الدولة المقبلة.
لقد أعطتنا حفلة أصالة مشهداً جميلاً لسوريا التي يمكن أن تكونها... سوريا التي لا تلغي أحداً كي تجمع الآخرين، ولا تخاف من تنوعها، ولا تجعل من اختلاف السوريين سبباً للخصومة، بل تجعل منه جزءاً من جمالها.
فإن كانت حنجرة مطربة قادرة على أن تجمع السوريين لساعات، فإن الدولة مطالبة بأن تجمعهم لعقود.
وهناك، تحديداً، يبدأ معنى سوريا الجديدة....