أبو مازن والجمعية العامة للأمم المتحدة
د. عماد عواد
19-09-2026 08:01 PM
للعام الثاني على التوالي ترفض الخارجية الأمريكية منح تأشيرات دخول لرئيس السلطة وعدد من المسؤولين الفلسطينيين للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وللمرة الثانية كذلك تُصدر الأخيرة قراراً يتمسك بهذه المشاركة حتى وإن كان ذلك عن بُعد، وبطبيعة الحال يُثير هذا الموقف العديد من التساؤلات ويحمل في طياته دلالات لا يمكن اغفالها فيما يتعلق بمحورية القضية الفلسطينية أو قدرة المنظمة على تكريس صفتها كمنصة دولية لها شخصية مستقلة تخولها الحق في إضفاء الصفة الصحيحة على المشاركين في أعمالها.
أيدت 152 دولة قرار الجمعية العامة الصادر في السابع عشر من الشهر الجاري واقتصرت المعارضة على ثلاثة أعضاء مع امتناع أربع دول عن التصويت، وبالمقارنة بالقرار المماثل الصادر في سبتمبر من العام الماضي يتضح أن الأغلبية المؤيدة زادت بمقدار سبعة أصوات في حين انخفض عدد كل من المعارضين والممتنعين عن التصويت بمقدار صوتين. وفي كلتا الحالتين تبلور موقف صلب من أغلبية ساحقة من الدول الأعضاء يُصر على مشاركة دولة فلسطين، ما يُعتبر بمثابة استفتاء دولي على ذلك، وقناعة واضحة بموقفها الداعي للسلام والعيش جنباً إلى جنب مع دولة إسرائيل، ونبذ العنف والإرهاب، وهو ما شكل جوهر كلمة الرئيس محمود عباس في سبتمبر الماضي، ولا ريب في أنه سيظل كذلك.
على الرغم من وجود سابقة لنقل اجتماعات الجمعية العامة إلى جنيف عام 1988 لتمكين الراحل ياسر عرفات من إلقاء كلمته، فإن هذا الخيار، وإن ظل قائماً، يفتقر إلى الطابع العملي نتيجة لعدة عوامل على رأسها توافر الخيار الرقمي (عبر الفيديو) والذي لم يكن متاحاً في ثمانينيات القرن الماضي، فضلاً عن الكلفة اللوجستية الكبيرة والتعقيد المصاحب لنقل الاجتماعات خارج المقر الرئيسي للمنظمة، وأخيراً فإن قرارات الجمعية العامة في هذا الخصوص أكدت على طبيعتها الاستثنائية المؤقتة، وأن الأمر لا يمثل سابقة، وشددت على ضرورة تمكين ممثلي دولة فلسطين من المشاركة شخصياً في الاجتماعات ذات الصلة بالأمم المتحدة بنيويورك.
فيما يتصل بالأمم المتحدة تزداد الصورة قتامة خاصة بعد ما تم رصده من شلل في قدراتها على التعاطي مع الأزمات الدولية، فقد جاء ملف منح التأشيرات للوفود المشاركة في اجتماعاتها ليطرح جدلية عدم الالتزام بالبنود 11، 12، 13 من اتفاقية المقر لعام 1947، خاصة وأن ما تم تقديمه من مبررات لعدم منح التأشيرات اللازمة للوفد الفلسطيني لا ترقي عملياً إلى مستوي الأدلة المعقولة لمنع مشاركة وفود على النحو الذي اشترطته الاتفاقية. فلجوء السلطة إلى الهيئات الدولية دفاعاً عن حقوق شعبها لا يعنى أنها ليست شريكاً في السلام، كما أن القوانين الصادرة عن الكونجرس والمتعلقة بها، من قبيل قانون "تايلور فورس" لعام 2018، وبالرغم من تعاطيها إيجابياً معها، تظل قوانين داخلية تسري نظرياً على زيارة دولة وليس حضور اجتماعات دولية، ما يثير الشكوك حول معقولية قرار رفض منح التأشيرات اللازمة للرئيس الفلسطيني ومرافقيه، كما أن موقف دولة المقر في هذا الخصوص يطرح تساؤلات حول مدي تمتع الأمم المتحدة بكافة امتيازات وقدرات الشخصية الدولية الاعتبارية.