ما الذي تبقَّى أمام الفلسطينيين؟!
أ.د أحمد بطَّاح
21-09-2026 11:03 AM
لعلّنا لا نبالغ إذا قلنا بأنّ الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة يعاني بشكل غير مسبوق ويواجه ظروفاً غايةً في الصعوبة، الأمر الذي يجعله يتساءَل: ما الذي تبقى أمامي من خيارات؟ ولتفكيك المشهد بعوامله ومتغيراته المختلفة لا بدّ من أن نؤشّر على ما يلي:
أولاً: الواقع الفلسطيني في غزة والضفة الغربية: فالفلسطينيون في غزة محشورون في 40% من مساحة القطاع (التي لا تزيد عن 365 كم2) وهم يكادون يفتقرون إلى أدنى مقومات الحياة، ناهيك عن الهجمات الإسرائيلية شبه اليومية، وتعثر خطة ترامب، وجمود خطة الإعمار، والتهجير القسري الذي يهدد به وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس حالماً يحصل على الموافقة الأمريكية. وفي الضفة الغربية لا تقل الأحوال سوءاً فبعد أن دمر الاحتلال الإسرائيلي بعض المخيمات الفلسطينية، وشرّد أكثر من (50) ألف شخص ترك لقطعان المستوطنين الحرية في استباحة أراض الفلسطينيين وممتلكاتهم، ناهيك عن قتلهم أحياناً، وهو (أيّ الاحتلال) يخطط لتنفيذ مستوطنة (E1) التي تفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، كما تفصل الضفة عن القدس، الأمر الذي يعني إبقاء أقل من 8% من الأراضي للدولة الفلسطينية الموعودة حسب خطة حل الدولتين، وكل ذلك مع تضييق على السلطة الوطنية الفلسطينية وحجب أموالها بل والتهديد بالقضاء عليها نهائياً وفق ما يسميه "سموترتش" وزير المالية الإسرائيلية بخطة الحسم!
ثانياً: الواقع الإسرائيلي: والذي ينطبع بطابع التغول والانفلات في ظل الحكومة اليمينية الإسرائيلية الحالية برئاسة نتنياهو حتى وصل الأمر بهذه الحكومة أن تعاقب بريطانيا التي "خلقتها" وتغلق القنصلية البريطانية في القدس وتطرد ممثلي بريطانيا من مركز المتابعة القائم في إسرائيل لمتابعة خطة ترامب رداً على بعض العقوبات من بريطانيا و(11) من الدول الأوروبية وكندا على المستوطنات الإسرائيلية!، والواقع أن الانتخابات الإسرائيلية المنتظرة في شهر أكتوبر المقبل لن تتمخض عن حكومة أفضل كثيراً من الحكومة الحالية فجميع الأحزاب الإسرائيلية بما في ذلك حزب "يشار" الذي يتزعمه "غادي إيزنكوت" والمتوقع فوزه في الانتخابات متفقة على رفض فكرة إقامة الدولة الفلسطينية، والزعماء الإسرائيليون يتبارون الآن مع اقتراب موعد الانتخابات في المزايدة على رفض آمال الفلسطينيين وحقهم في إقامة دولتهم على ترابهم الوطني بل والولوغ في دمهم بحجة أو بأخرى!
ثالثاً: الواقع العربي: والذي بلغ حداً مخيفاً من الضعف وانعدام التنسيق في وجه العربدة الإسرائيلية حيث يقف نتنياهو بكل صلافة على مرتفعات جبل الشيخ السورية المحتلة ويتبجح بأنّه يستطيع من فوقها مراقبة كل الدول العربية المجاورة. ومما يزيد الأمر سوءاً بالنسبة للوضع العربي تشظي بعض الدول العربية وتراجع سلطتها المركزية (لبنان، العراق، اليمن، ليبيا، السودان...)، وكذلك نشوب الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية التي ما زالت تتوالى فصولاً وتنعكس سلباً على الوضع العربي بشكل عام، ولعلّ كل ما تستطيعه الدول العربية في هذه المرحلة هو أن تثابر على المطالبة بحل الدولتين وتحشيد العالم في هذا الاتجاه.
رابعاً: الواقع الدولي: ولعلّ هذا الواقع هو النقطة المضيئة الوحيدة في عالم الفلسطينيين هذه الأيام، فإسرائيل أصبحت دولة شبه منبوذة على مستوى العالم، ولم يعد لها من صديق سوى ترامب على حد تعبير نائب الرئيس الأمريكي "جي دي فانس"، ومن الجدير بالذكر أن الموقف الأوروبي الكندي الأخير ضد المستوطنات الإسرائيلية أمر غير مسبوق، والأخطر من هذا الموقف العالمي الرسمي من إسرائيل هو الموقف الشعبي وبالذات في أوروبا والولايات المتحدة، فبعد "الإبادة الجماعية" التي مارستها إسرائيل في قطاع غزة، "والتطهير العرقي" الذي تمارسه في الضفة الغربية (كما وصف ذلك وزير الخارجية البريطاني) أشاح الرأي العام العالمي بوجهه عن إسرائيل، وبدت شرائح شعبية كبيرة في كل دول العالم تتبين حقيقة إسرائيل كدولة استعمارية تمارس الاحتلال والتمييز العنصري ضد شعب مظلوم وأعزل.
وإذا أضفنا إلى ما سبق موقف محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة التي صنفت الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية وغزة، بأنه "احتلال" وبأنه يجب أن ينتهي خلال سنة، أدركنا أن إسرائيل أصبحت معزولة ومدانة على المستويين الرسمي والشعبي.
في ضوء كل ما سبق، لابد من طرح السؤال: ما الذي تبقى أمام الفلسطينيين؟ إسرائيل تقضم أرضهم ولا تبقي لهم ما يقيمون عليه دولتهم وهي ليست أكثر من (22%) من ارضهم التاريخية، واخوانهم العرب عاجزون عن دعمهم في هذه المرحلة البائسة من التاريخ والعالم الشعبي والرسمي معهم ولكنه لا يستطيع فرض شيء على أرض الواقع أمام قوة إسرائيل الهائلة والمنغلقة والمدعومة أمريكياً بغير حدود.
هل من العقلانية أن يتحول الفلسطينيون من المطالبة بحل الدولتين الذي لم يعد واقعياً إلى حل الدولة الواحدة (دولة لكل مواطنيها) التي تكفل لهم حقوقهم على أرضهم بالمساواة مع اليهود وغيرهم من المقيمين على أرض فلسطين التاريخية؟
هل من الحكمة وإدراك أن السياسة هي "فن الممكن" أن يركز الفلسطينيون في هذه المرحلة على النضال الشعبي السلمي للوصول إلى أهدافهم الوطنية والإنسانية، بانتظار تغير الظروف والأحوال؟ كلها أسئلة برسم الإجابة ولكن ما هو مؤكد أن الشعب الفلسطيني الذي كافح ببسالة طوال قرن تقريباً لنيل حقوقه لن يستسلم أبداً وإن غداً لناظره قريب.