facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هل ينتقل اقتصادنا من الصمود إلى النمو المنتج؟


د. محمد حيدر محيلان
21-09-2026 08:02 PM

نجح الأردن، طوال سنوات من الاضطراب الإقليمي، في حماية استقراره الاقتصادي ومنع الأزمات من التحول إلى اختلالات تمس الدولة والأسواق. فقد حافظ على انتظام مؤسساته وتوافر السلع الأساسية واستقراره النقدي، رغم الحروب المحيطة، واضطراب طرق التجارة، وارتفاع كلف الطاقة والنقل. وهذا إنجاز مهم، لكنه يطرح سؤال المرحلة المقبلة: هل نستمر في امتصاص الصدمات، أم نحوّل خبرتنا في مواجهتها إلى قوة تصنع نموًا منتجًا؟

فالصمود يحمي الاقتصاد من التراجع، لكنه لا يكفي لتحقيق التنمية. وقد تتحسن المؤشرات الكلية، بينما تبقى البطالة مرتفعة والدخول محدودة وفرص الشباب دون تطلعاتهم. لذلك لا يُقاس النمو بمعدله وحده، بل بنوعيته والقطاعات التي تصنعه، وعدد فرص العمل التي يولدها، ومقدار القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد.

يمتلك الأردن قاعدة واقعية للانتقال إلى النمو المنتج، مستندًا إلى خبراته في الصناعات الدوائية والغذائية والأسمدة والملابس، إلى جانب تكنولوجيا المعلومات والخدمات الصحية والتعليمية. لكن الأثر الاقتصادي لهذه القطاعات لا يتحدد بعدد المنشآت أو حجم الاستثمار فقط، بل بمدى ارتباطها بالاقتصاد المحلي. فالمصنع الذي يستخدم مدخلات محلية، ويدرّب العمالة الوطنية، وينقل المعرفة، ويصل إلى الأسواق الخارجية، ينشئ حوله شبكة من الموردين والمهارات والدخول والفرص.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي أن تكون الحوافز الاستثمارية إعفاءات مفتوحة، بل وسيلة لتحقيق أثر اقتصادي واضح. وتُقاس جدواها بما تولّده من وظائف مستقرة وصادرات جديدة ومكوّن محلي ونقل للتكنولوجيا. فالقيمة الحقيقية للاستثمار ليست في دخوله إلى الاقتصاد فقط، وإنما في مقدار ما يضيفه ويبقيه داخله.

وينطبق ذلك على الموقع الجغرافي للأردن؛ فالموقع لا يصبح ميزة اقتصادية لمجرد وجوده على الخريطة، بل عندما تتحرك البضائع بسرعة وكلفة منافسة، وترتبط الموانئ بالطرق والمعابر والمستودعات والمنصات الرقمية ضمن شبكة واحدة. وعندها تستطيع العقبة والمراكز اللوجستية والمعابر البرية أن تتجاوز خدمة التجارة العابرة إلى صناعة قيمة مضافة في التخزين والتجميع والتعبئة والتصنيع الخفيف وإعادة التصدير.

كما أثبت اضطراب سلاسل الإمداد أن الأمن الاقتصادي لا يتحقق بتكديس السلع، بل بمعرفة المواد الحرجة، ومدة احتمال انقطاعها، وتعدد مصادرها ومساراتها، والبدائل المحلية المتاحة. فالمخزون غير المدروس قد يجمّد الأموال ويتعرض للتلف، بينما تحقق الإدارة المبنية على البيانات التوازن بين استمرارية الإمداد وكلفته.

ويبقى الإنسان نقطة البداية والنهاية. فمشكلة سوق العمل لا تتمثل في نقص الوظائف وحده، بل في الفجوة بين ما يتعلمه الشباب وما تحتاجه القطاعات المنتجة. كذلك لا يضمن تمويل المشروعات الصغيرة نجاحها إذا تُرك أصحابها أمام تحديات الإدارة والتسويق والجودة والوصول إلى الأسواق. وتتحقق النتائج الأفضل عندما يصبح التعليم والتدريب والتمويل والتسويق حلقات في سلسلة تبدأ بالمهارة وتنتهي بمنتج قادر على المنافسة.

لقد أثبت الأردن قدرته على عبور الأزمات، لكن الاقتصاد لا يستطيع البقاء طويلًا في وضع العبور. والمرحلة المقبلة هي البناء على الصمود، بتحويل الاستقرار إلى إنتاج، والاستثمار إلى قيمة محلية، والموقع إلى منصة لوجستية، والتعليم إلى مهارة.

عندها يصبح الصمود رأسمالًا اقتصاديًا لا مجرد وسيلة دفاع، ويُقاس النجاح ليس فقط بما تجنبه الأردن من أزمات، بل بما صنعه من فرص بعدها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :