المنحنى الرجعي والموضة السياسية
د. عبدالله فلاح الهزاع الدعجة
22-09-2026 12:41 PM
كان يفترض أن تقود الحياة الحزبية إلى برلمان أقوى، لا إلى برلمان أكثر حذرا. وأن يصبح النائب الحزبي أكثر قدرة على مساءلة الحكومة من النائب الفرد، لا أكثر حرصاً على رضاها.
لكن شيئا ما لا يسير في هذا الاتجاه.
فالأحزاب ليست زينة ديمقراطية، ولا يفترض أن يكون الانتماء إليها مجرد صفة تضاف إلى اسم النائب تحت القبة. الحزب الذي يصل إلى البرلمان يصل ومعه برنامج وموقف ورؤية، ويفترض أيضاً أن تكون وراءه مؤسسة وخبرات تستطيع أن تقرأ الموازنة والقوانين وقرارات الحكومة، وأن تراقب وتسأل وتعترض وتقترح البديل.
وإلا، ما الذي أضافه الحزب؟
المشكلة ليست في أن يؤيد حزب ما الحكومة. من الطبيعي أن يؤيدها حين يرى أنها أصابت، وأن يقف معها في القرارات التي تنسجم مع برنامجه وقناعاته. المشكلة حين يصبح التأييد هو الأصل، والاعتراض حالة استثنائية تحتاج إلى حسابات طويلة، وحين تتنافس بعض القوى على الاقتراب من الحكومة بدلاً من التنافس على مراقبتها.
هنا يبدأ المنحنى الرجعي.
فالدستور الأردني يقول إن الأمة مصدر السلطات، ويجعل رئيس الوزراء والوزراء مسؤولين أمام مجلس النواب، ويمنح المجلس حق حجب الثقة عن الحكومة أو عن أحد وزرائها. هذه ليست عبارات للزينة في الدستور، وإنما هي جوهر العلاقة بين السلطتين.
الحكومة تدير، والبرلمان يشرّع ويراقب ويحاسب.
وليس مطلوبا من البرلمان أن يعادي الحكومة، كما أنه ليس مطلوبا منه أن يسترضيها. التعاون بين السلطتين مطلوب، لكن التعاون لا يعني أن تضيق المسافة بين الرقيب ومن يراقبه إلى الحد الذي يصعب معه التمييز بينهما.
وفي الدورة العادية الثانية عقد مجلس النواب 31 جلسة تشريعية و11 جلسة رقابية، ووجه النواب 770 سؤالاً للحكومة. وهي أرقام تقول إن الرقابة موجودة من حيث الأدوات والممارسة. لكن السؤال ليس عدد الأسئلة وحده، بل ماذا حدث بعدها؟ كم سؤالاً تحول إلى قضية عامة؟ وكم ملفاً تابعته كتلة أو حزب حتى النهاية؟ وكم مرة شعر وزير أن وراء السؤال حزباً سياسياً سيلاحق الإجابة، لا نائباً سينتقل بعد أيام إلى موضوع آخر؟
هذا تحديدا ما كان يفترض أن تضيفه الأحزاب إلى البرلمان.
فالنائب الفرد قد تنقصه المعلومة أو الخبرة أو القدرة على المتابعة؛ أما الحزب فلا عذر له في ذلك. وراء النائب الحزبي يفترض أن يكون هناك زملاء وباحثون وبرنامج سياسي وذاكرة مؤسسية وموقف يمكن البناء عليه.
وإذا لم يحدث ذلك، فإننا نكون قد غيرنا الشكل وأبقينا المضمون على حاله، وربما جعلناه أضعف.
والأخطر أن تختلط المفاهيم. فالولاء للدولة ليس ولاء للحكومة، وانتقاد وزير ليس موقفاً من الدولة، والرقابة ليست مشاغبة سياسية. الحكومات تأتي وتذهب، أما المؤسسات الدستورية فتبقى.
ولا تحمي الحكومةَ مجاملتُها، مثلما لا يحمي البرلمانَ صمتُه.
لقد قطعنا شوطا طويلاً في الكلام عن تحديث الحياة السياسية، وعن الأحزاب والكتل والبرلمان الحزبي. وهذا كله مهم، لكن السؤال الذي سيحكم على التجربة في النهاية أبسط من كل ذلك:
ماذا تفعل الأحزاب حين تصل إلى البرلمان؟
فالموضة السياسية أن يكون لدينا برلمان حزبي.
أما السياسة، فهي أن تكون للأحزاب فيه وظيفة.
وإلا صعدنا سلّم التحديث كله، لنكتشف في النهاية أن المنحنى كان رجعيا .