عبدالله الثاني .. حين يقف الأردن في وجه زمنٍ يريد تطبيع الاستثناء
بهاء الشنتير
22-09-2026 07:23 PM
في السياسة الدولية، لا يكون تجاهل الخطر موقفًا محايدًا؛ أحيانًا يكون هو القرار الذي يسمح للخطر بأن يتحول إلى واقع.
من هذه الحقيقة يمكن قراءة خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين؛ خطاب لم يتعامل مع المشهد الإقليمي بوصفه سلسلة أزمات منفصلة، بل وضع أمام النظام الدولي سؤالًا أعمق: ماذا يحدث عندما ترى المؤسسات الدولية الخطر، وتعرف تداعياته، وتمتلك أدوات التأثير، ثم تؤجل الفعل حتى يصبح ما كان استثناءً واقعًا جديدًا؟
هنا تكمن القيمة السياسية الأهم في الخطاب.
فالملك لم يتحدث فقط عن غزة والضفة الغربية والقدس، ولا عن سوريا أو أمن المنطقة وحده؛ بل وضع هذه الملفات داخل صورة أكبر تتعلق بمستقبل القواعد التي يفترض أن تحكم النظام الدولي. وفي هذا السياق، يصبح مفهوم «الانتباه» نفسه موردًا من موارد القوة السياسية؛ لأن العالم لا يخسر فقط عندما يعجز عن منع الخطر، بل يخسر أيضًا عندما يعتاد رؤيته.
والاعتياد في السياسة الدولية ليس حالة نفسية عابرة؛ إنه قد يتحول إلى آلية لإعادة تعريف الممكن.
ما يبدأ كخرق للقواعد، إذا تكرر بلا كلفة سياسية أو قانونية، يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى أمر وقع. وما كان العالم يرفضه باعتباره استثناءً، قد يصبح بعد سنوات شيئًا يتفاوض العالم على كيفية التعايش معه. وهنا يصبح الزمن لاعبًا سياسيًا، لا مجرد إطار للأحداث.
لهذا جاءت الرسالة الملكية شديدة الوضوح في جوهرها: لا تتركوا للوقت مهمة رسم الخرائط التي عجزت السياسة عن منعها.
هذه ليست قراءة تخص القضية الفلسطينية وحدها، بل سؤال عن معنى النظام الدولي نفسه. فالقانون الدولي لا تُقاس قوته بعدد النصوص التي يحملها، وإنما بقدرته على وضع حدود للقوة. والقرارات الدولية لا تستمد هيبتها من صدورها فقط، بل من قدرتها على الانتقال من الورق إلى الواقع.
القانون الذي لا يُطبَّق يفقد جزءًا من ردعه، والقرار الذي لا يُنفَّذ يفقد جزءًا من هيبته، والمؤسسة التي تعجز عن حماية قواعدها تفقد جزءًا من ثقة العالم بها.
ومن هنا، فإن القضية التي يضعها الأردن أمام المجتمع الدولي ليست مجرد سؤال عن موقف من حرب أو نزاع بعينه؛ إنها سؤال عن المعيار الذي سيُبنى عليه عالم الغد: هل تبقى القواعد قواعد عندما تتعارض مع إرادة القوة، أم تصبح القواعد قابلة للتأويل كلما امتلك طرف ما القدرة على فرض أمر واقع؟
في غزة، وفي الضفة الغربية، وفي القدس، تتقاطع السياسة مع القانون ومع مستقبل المنطقة. ولذلك فإن التعامل مع هذه الملفات باعتبارها ساحات منفصلة قد يحجب الصورة الاستراتيجية الأوسع. ما يحدث في مكان يمكن أن يعيد تشكيل شروط الأمن والاستقرار في مكان آخر، وما يُفرض اليوم كواقع محلي قد يصبح غدًا سابقة إقليمية ودولية.
والأخطر أن الفراغ السياسي لا يبقى فراغًا؛ دائمًا ما يملؤه طرف ما.
ومن هنا يمكن فهم إصرار الأردن على الحل السياسي، وعلى الدولة الفلسطينية المستقلة، وعلى حماية القدس ومقدساتها، وعلى وقف التصعيد، وعلى احترام سيادة الدول وأمنها. هذه ليست ملفات منفصلة في الرؤية الأردنية، وإنما عناصر في معادلة واحدة عنوانها: منع المنطقة من الانتقال من أزمة قابلة للحل إلى واقع يصعب التراجع عنه.
وفي هذه النقطة تحديدًا تظهر خصوصية الموقف الأردني: مرونة في الأدوات، وصلابة في الثوابت؛ انفتاح على الحوار، من دون أن يتحول الحوار إلى تنازل عن الأساسيات؛ ودبلوماسية نشطة، من دون أن تصبح الدبلوماسية غطاءً للتردد.
الأردن لا يتحدث من موقع القوة العسكرية الكبرى، ولا من موقع الدولة التي تستطيع فرض إرادتها على الآخرين؛ لكنه يتحدث من موقع دولة تعرف بدقة ماذا يعني أن تتغير خرائط المنطقة، وماذا يعني أن تتحول الفوضى إلى بيئة دائمة، وماذا يعني أن يصبح الأمن الوطني مرتبطًا بما يجري خارج الحدود.
ولهذا فإن الحديث عن أمن الأردن وحدوده ومياهه واستقراره ليس هامشًا في السياسة الإقليمية، بل جزء من فهم أوسع لترابط أمن المنطقة.
واللافت في الخطاب أن الرسالة لم تتوقف عند توصيف الخطر، بل انتقلت إلى مساءلة مفهوم المسؤولية الدولية نفسه. فالمشكلة ليست أن العالم لا يعرف ما يجري؛ المشكلة السياسية تبدأ عندما تصبح المعرفة منفصلة عن الفعل.
أن تعرف يعني أن تتحمل مسؤولية ما تعرفه.
وأن ترى الخطر ثم تؤجل التعامل معه لا يعني أنك خرجت من المعادلة؛ بل قد يعني أنك تركت للظروف والقوة والوقت أن تتولى صياغة النتيجة.
وهنا يصبح خطاب الملك، في أحد أعمق أبعاده، خطابًا عن «كلفة التأجيل».
فكل يوم يمر بلا حل سياسي لا يعني بالضرورة بقاء المشهد على حاله؛ أحيانًا يعني أن المشهد نفسه يتغير. وكل حقيقة جديدة تُفرض على الأرض تضيق معها مساحة الحل السياسي. وكل تآكل في الثقة بالقانون الدولي يوسّع مساحة الفوضى التي لا تحكمها القواعد وإنما موازين القوة.
لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للنظام الدولي ليس أن يفشل في حل أزمة واحدة، بل أن يعتاد الأزمات حتى تصبح جزءًا طبيعيًا من المشهد.
عندها لا تعود المشكلة في غياب الحل، وإنما في فقدان الإحساس بضرورة وجوده.
ومن نيويورك، جاءت الرسالة الأردنية لتقول إن هذه اللحظة ليست مجرد محطة جديدة في سلسلة طويلة من الخطب والبيانات؛ إنها لحظة اختبار لمقدار ما بقي من قدرة النظام الدولي على حماية القواعد التي أنشأها بنفسه.
الأردن، في هذا الخطاب، لا يطلب من العالم أن ينظر إلى الأردن فقط؛ بل يطلب من العالم أن ينظر إلى نفسه.
أن ينظر إلى القانون عندما يواجه القوة.
وإلى القرار عندما يواجه الأمر الواقع.
وإلى الدبلوماسية عندما تواجه الحرب.
وإلى المؤسسات الدولية عندما تصبح مصداقيتها نفسها موضع اختبار.
وفي نهاية المطاف، فإن المعركة السياسية الأعمق ليست فقط على ما يحدث اليوم، بل على ما سيُسمح له بأن يصبح طبيعيًا غدًا.
فما يسمح العالم باستمراره اليوم قد يصبح غدًا القاعدة التي يُطلب من العالم نفسه أن يتعامل معها.
ولهذا فإن السؤال الذي يخرج من خطاب الملك ليس: من انتصر في معركة اليوم؟
بل السؤال الأكثر عمقًا وخطورة:
أي عالم نتركه يتشكل، بينما ما زالت لدينا القدرة على منع الأسوأ؟
فالمستقبل لا يتشكل بما نفعله فحسب، بل بما نختار أن نتجاهله أيضًا.