قراءة في خطاب جلالة الملك أمام الأمم المتحدة
د. هاني العدوان
23-09-2026 11:30 AM
من على منبر شهد ثمانين عاما من الوعود المؤجلة، تحدث جلالة الملك عبدالله الثاني إلى العالم بلغة لا تحتمل التأويل، في لحظة يلتقي فيها نزيف غزة مع محاولات اقتلاع الإنسان من الضفة والقدس، ويمتد فيها العبث الإسرائيلي إلى جنوب سوريا ولبنان ليطرق حدود الأردن وأمنه المائي، فجاء الخطاب الملكي ليعيد تعريف اللحظة، من خطاب يطالب بوقف الحرب، إلى خطاب يطالب بوقف مسار كامل من التغاضي الدولي الذي سمح بتحويل الانتهاك إلى واقع، والواقع إلى نهج.
قوة هذا الخطاب
انطلقت من عبارة مكثفة اختزلت جوهر المأزق حين أشار جلالته إلى أن كل انتهاك جديد عومل على أنه إجراء مؤقت، حتى تراكم المؤقت وتحول إلى دائم، وتحول الدائم إلى نهج معلن، وهنا يكمن التشخيص الدقيق الذي أراد الملك وضعه أمام المجتمع الدولي، فما كان يمر باعتباره استثناء أصبح قاعدة، وما كان يوصف بأنه ظرفي أصبح سياسة تستهدف الأرض والإنسان والهوية، وتدفع نحو استحالة قيام دولة فلسطينية قابلة للحياةز
الملك وضع غزة والضفة والقدس في صورة واحدة متماسكة، فالحرب والتدمير والمجاعة في القطاع، ومصادرة الأرض وتوسيع المستوطنات ودفع الفلسطينيين إلى مغادرة بيوتهم في الضفة، والمساس بالمقدسات في القدس، تشكل في قراءته مسارا واحدا يهدد الحل السياسي برمته، وهذا الربط يعيد القضية الفلسطينية إلى أصلها باعتبارها قضية شعب وحق وأرض ودولة، لا مجرد ملف إنساني يدار بالمساعدات، ولا مجرد وقف لإطلاق نار يعود بعده كل شيء إلى ما كان عليه، بل قضية تحتاج إلى معالجة جذرية في إطار القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وتحدث جلالته بلغة قانونية صريحة عن التهجير القسري وعن الضم الفعلي والاستيلاء على الأراضي، ووضع منظومة القانون الدولي ذاتها أمام سؤال جوهري عن قيمة القواعد إذا بقيت الانتهاكات بلا ردع، وعن مصداقية المؤسسات إذا اكتفت بالإدانة دون قرار، وبهذا خرج الخطاب من توصيف المأساة إلى مساءلة العالم عن فجوة واسعة بين النصوص التي كتبت لحماية الشعوب وبين التطبيق الذي يتعثر عند فلسطين.
القدس حضرت في الخطاب بوصفها قضية سياسية ودينية وتاريخية، وبوصف الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية مسؤولية تاريخية وقانونية يحملها الأردن بكل ثبات، فالمساس بالوضع التاريخي والقانوني للمدينة المقدسة لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يفتح الباب أمام صراع ديني يتجاوز حدود المنطقة، وقد حذر جلالته بوضوح من أن الخطابات العدائية التي تدعو إلى استهداف المسجد الأقصى قادرة على إشعال حريق شامل لن تسلم منه دولة، وهي رسالة وصلت إلى كل عواصم القرار.
ثم اتسعت دائرة الخطاب إلى الإقليم، فجاء الحديث عن جنوب سوريا وما يشهده من توغلات وفرض لوقائع جديدة، ليؤكد أن أمن الأردن لا ينفصل عن محيطه، وأن حدوده الشمالية ومياهه ومصالح شعبه جزء لا يتجزأ من حسابات الأمن الوطني، وأن الأردن الذي اختار الدبلوماسية والحوار والاحتكام إلى القانون الدولي يدرك في الوقت ذاته حدود مسؤوليته في حماية سيادته، فالتمسك بالدبلوماسية لا يفسر ضعفا، بل هو خيار دولة تعرف متى تتحدث بلغة القانون ومتى تدافع عن أمنها بكل حزم.
هذا التوازن بين فلسطين كقضية حق، والمنطقة كمجال للاستقرار، والأردن كدولة لها مصالحها الواضحة، هو ما منح الكلمة وزنها السياسي، وجعل الأردن يظهر أمام العالم طرفا معنيا مباشرة بما يجري، وصاحب رؤية تتجاوز رد الفعل إلى تحديد شروط الأمن والسلام.
قيمة هذا الخطاب تتجاوز نصه إلى ظرفه، فهو ينطلق في ذروة حرب إبادة تطحن غزة، وفي وقت تتصاعد فيه عمليات انتزاع الأرض وتهجير أهلها في الضفة والقدس، وتتمدد فيه الاعتداءات إلى لبنان وسوريا، تحت عنوان معلن يدعى إسرائيل الكبرى، عنوان لا يتحقق إلا بالسطو على سيادة الدول المحيطة، ومن هنا جاء سؤال الملك الأخلاقي والسياسي الذي وضع العالم أمام ازدواجيته، هل كانت المنظومة الدولية ستقبل هذا الصمت لو صدرت دعوة مماثلة من عاصمة عربية، ومتى تتوحد المعايير التي يحاكم بها الجميع، ومتى يقر العالم بأن قيام الدولة الفلسطينية حق أصيل للشعب الفلسطيني لا يقبل المساومة ولا ينتظر إذنا من أحد.
على وقع هذه الكلمة، جاء الحراك الدبلوماسي الأردني في نيويورك متكاملا، من لقاء رئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا والتحذير من خطورة الإجراءات في الضفة والقدس، إلى لقاء رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام والتأكيد على وقف الاعتداءات ودعم سيادة لبنان وسوريا، إلى لقاء ولي عهد الكويت والتأكيد على العمل العربي المشترك، بما يجعل الخطاب جزءا من سياسة متكاملة لا كلمة منفصلة.
أما الداخل الأردني فقد استقبل الكلمة بما تستحق من تقدير، وظهر ذلك في مواقف نيابية وسياسية واسعة اعتبرت الخطاب خارطة طريق للسلام العادل ورسالة قوية ترفض الإبادة وازدواجية المعايير، وثمنت لجنة التوجيه الوطني والإعلام مضامينه بوصفه تعبيرا عن ثوابت الأردن، وذهب نواب وكتل برلمانية إلى وصفه بأنه يعبر عن ضمير كل أردني وعربي حر، وأنه انتصار للحق والعدالة.
والأهم من ذلك أن أصواتا محسوبة على المعارضة الوطنية أبدت إعجابا واضحا بقوة الخطاب وصراحته وغضبه المشروع من الممارسات العدوانية، ووصفه سياسيون ومحللون بأنه كثيف وبلاغي ويضع الأمور في نصابها، وبأنه تتويج لجهد دبلوماسي طويل حشد دعما عالميا لحق الفلسطينيين، وبأنه وثيقة سياسية وإنسانية متكاملة لأقدم قضية على جدول الأمم المتحدة، كما جاءت إشادة عربية لافتة من علاء مبارك الذي قال إن خطاب الملك من أفضل ما قيل أمام المنظمة الدولية، وكل ذلك يفتح مساحة وطنية مشتركة يتجاوز فيها الاختلاف حول البرامج الداخلية الالتقاء على السيادة والأمن الوطني وفلسطين ورفض التهجير.
وهنا يبرز الدور المنتظر من الأحزاب الأردنية، فاللحظة الراهنة تمنحها فرصة لإثبات قدرتها على قراءة التحولات الكبرى، فالحزب ذو الامتداد الوطني والحزب الممثل في البرلمان والحزب الذي يقدم نفسه قوة قادرة على التأثير، مطالب اليوم بأن يقدم رؤيته الواضحة حول التهجير وحول ما يجري في الضفة وحول حماية الجبهة الداخلية وحول تحولات الجنوب السوري وحول الأمن المائي وحول مستقبل القضية الفلسطينية، وأن يحول موقفه إلى وعي سياسي واجتماعي قابل للنقاش، فالمعارضة تبقى معارضة في الشأن الداخلي تراقب وتنتقد وتقترح البدائل، لكنها تلتقي مع الدولة عند حدود الوطن وأمنه ومصالحه الأساسية، وهذا التلاقي لا يلغي التعددية بل يمنحها معنى أعمق.
لقد جمع خطاب جلالته الملفات المتناثرة في صورة واحدة، فلسطين في مركزها، والأردن في دائرة أمنه، وسوريا ولبنان في محيطه، والقانون الدولي إطارا له، والمجتمع الدولي طرفا مطالبا بتحمل مسؤولياته، وتحدث الملك عن غزة والضفة والقدس والتهجير والضم والاستيطان وعن الحدود والمياه والدبلوماسية، فكانت الكلمة الأردنية حاملة لأكثر من رسالة في آن واحد، رسالتها الأهم أن الأردن يتعامل مع المرحلة بعين مفتوحة على الإقليم ووعي واضح بمصالحه وتمسك ثابت بحقوق الشعب الفلسطيني وإصرار على إبقاء الحل السياسي في قلب المعالجة.
وبعد أن قال الملك كلمته أمام العالم، يبقى السؤال السياسي الأردني مفتوحا عن صوت الأحزاب وقراءتها وبرامجها وقدرة قادتها ونوابها ومفكريها على تحويل هذه اللحظة التاريخية إلى وعي يحمي الوطن ويصون مصالحه ويواكب ما يجري حوله.
فكما سمع العالم صوت الأردن في نيويورك، ينتظر الأردنيون أن يسمعوا صوت أحزابهم، لا في بيانات المجاملة، وإنما في الرؤية والموقف والبرنامج والعمل.