جاء خطاب جلالة الملك أمام الأمم المتحدة إنذارًا استراتيجيًا محسوبًا، لا كلمة بروتوكولية عابرة. وضع فيها جلالته «الانتباه» في قلب السياسة الدولية، محذرًا من أن تجاهل الأزمات لا يجمدها، بل يسمح لها بأن تتحول إلى واقع دائم. فما يُقدَّم للعالم بوصفه إجراءً مؤقتًا يصبح مع الزمن نهجًا ثابتًا، وما يبدأ بانتهاك محدود ينتهي بتغيير الجغرافيا والحقوق. وهكذا نقل الملك مسؤولية المجتمع الدولي من دائرة العجز إلى دائرة الاختيار؛ فالأدوات موجودة، لكن الإرادة غائبة.
وفي فلسطين، أسقط الخطاب وهم الفصل بين غزة والضفة الغربية، وقدمهما جلالته ساحتين لمشروع واحد: تدمير غزة، وضم الضفة تدريجيًا، ودفع الفلسطينيين خارج أرضهم، ومنع قيام دولتهم ، كما أعاد تحديد الطرف المعطل للسلام؛ فالعرب قدموا مبادرات واضحة منذ عام 2002، بينما مضت الحكومات الإسرائيلية في الاستيطان والضم وفرض الامر الواقع، وحين وصف جلالة الملك التهجير القسري بأنه جريمة حرب، نقل القضية من مساحة الخلاف السياسي إلى ميدان المسؤولية القانونية، وكشف أن المسألة ليست تجاوزات منفردة، بل سياسة مترابطة تتطلب مساءلة وردعًا دوليين .
ولم يتحدث جلالة الملك عن فلسطين باعتبارها قضية تضامن خارجي فحسب، بل بوصفها جزءًا أصيلًا من الأمن الوطني الأردني. فالتهجير ومحو الوجود الفلسطيني وإسقاط حل الدولتين تعني ضغطًا مباشرًا على الأردن، وإحياءً لمشروع الوطن البديل، ونقلًا للصراع إلى حدوده، وتهديدًا لهويته واستقراره ودوره في القدس. لذلك فإن تثبيت الفلسطيني على أرضه ليس موقفًا عاطفيًا، بل خط دفاع سياسي وأمني عن الدولة الأردنية، وهنا تظهر حكمة القيادة الهاشمية التي تجمع بين الوفاء لفلسطين والحرص الصارم على الأردن وطنا و شعبا.
وكان الخطاب أكثر صراحة عند الحديث عن الحدود الشمالية والأمن المائي؛ إذ أعلن جلالته أن أي تهديد لهما هو تهديد للأمن القومي، وأن الأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه و هذه ليست لغة قلق دبلوماسي، بل إعلان إرادة سيادية برسم خطًا أحمر من جنوب سوريا إلى مصادر المياه ومجالات الحركة القريبة من المملكة، فلم يهدد بحرب، لكنه أكد أن الدبلوماسية الأردنية مسنودة بدولة وجيش وقدرة دفاعية، وأن ضبط النفس ليس ضعفًا، والسلام ليس صمتًا، والصبر لا يعني السماح بالعبث بحقوق الأردنيين.
كما وضع جلالته المجتمع الدولي أمام اختبار مصداقيته، مطالبًا بالانتقال من البيانات إلى أدوات الضغط؛ من العقوبات وتجميد الأصول إلى الحظر والعزل الدبلوماسي. فالقانون الدولي إما أن يطبق على الجميع، أو يفقد قيمته عندما يصبح انتقائيًا، ومع ذلك، أبقى جلالة الملك أبواب الحوار والعمل المشترك مفتوحة، ورفض تحويل الصراع إلى مواجهة دينية؛ فالقضية، كما قدمها الخطاب، قضية احتلال وحقوق ومساواة مع ربط اضطراب المنطقة بأمن التجارة والطاقة والغذاء والاستثمار عالميًا، ليؤكد أن تجاهل الشرق الأوسط لن يحمي العالم من تداعياته.
لله دَرُّك عبدالله؛ فقد قدمت الأردن دولة ثابتة المبادئ، تحمي حدودها، وتصون مياهها، وتواجه الإرهاب والمخدرات، وتحمل أمانة المقدسات، وتدافع عن فلسطين دون أن تساوم على مصالح شعبها. لم يكن الخطاب إعلان قطيعة أو تمهيدًا لحرب، بل إعلانًا بأن للأردن صبرًا واعيًا وحدودًا لا تُختبر. ونحن، بولائنا للقيادة الهاشمية المظفرة، نرى في هذا الموقف صوت الدولة التي تريد السلام من موقع القوة والكرامة؛ فالأردن يحاور الجميع، لكنه لا يفوض أحدًا بالعبث بسيادته وأمنه ومستقبله