خطاب الملك يربك إسرائيل… وردّها يكشف تخبّطها
د. محمد حيدر محيلان
24-09-2026 11:41 PM
لم تكن كلمة الملك عبدالله الثاني أمام الأمم المتحدة خطابًا دبلوماسيًا تقليديًا، بل جاءت بلهجة مباشرة رفعت سقف المواجهة السياسية مع إسرائيل. فالملك لم يتحدث عن اعتداءات منفصلة، وإنما وضع العنف وهدم المنازل والاستيطان ضمن سياق أخطر: دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أرضهم وتقويض إمكانية قيام دولتهم.
قوة الخطاب لم تكن في حدّة عباراته وحدها، بل في كشفه المسار الذي تقود إليه السياسات الإسرائيلية. ولهذا أثار حنق إسرائيل وأربك ردها؛ فبدلًا من الإجابة عما يحدث اليوم في غزة والضفة، عادت الخارجية الإسرائيلية 38 عامًا إلى الوراء، واستدعت قرار فكّ الارتباط الأردني بالضفة الغربية عام 1988، ثم قالت بسخرية: «أخبرونا المزيد عن القانون الدولي»!
حسنًا، لنتحدث عن القانون الدولي، ولكن بقرارات الأمم المتحدة وأرقامها.
هناك قرار الجمعية العامة 194 لعام 1948 بشأن عودة اللاجئين أو تعويضهم؛ وقرار مجلس الأمن 242 لعام 1967 الذي أكد عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالحرب ودعا إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة؛ والقرار 338 لعام 1973 الذي طالب بتنفيذ القرار 242.
وهناك القرار 446 لعام 1979 الذي أكد أن المستوطنات في الأراضي المحتلة، بما فيها القدس، لا تتمتع بأي سند قانوني؛ والقرار 465 لعام 1980 الذي دعا إلى وقف الاستيطان وتفكيك المستوطنات؛ والقراران 476 و478 لعام 1980 اللذان رفضا تغيير وضع القدس واعتبرا الإجراءات الإسرائيلية بشأنها باطلة. ثم جاء القرار 2334 لعام 2016 ليؤكد أن المستوطنات تمثل «انتهاكًا صارخًا» للقانون الدولي.
فماذا فعلت إسرائيل بهذه القرارات؟
أما فكّ الارتباط، فلم يمنح إسرائيل مترًا واحدًا من الضفة، ولم يحوّل الاحتلال إلى سيادة. لقد تمسّك الملك الحسين طويلًا بوحدة الضفتين، ولم يتخذ قراره إلا بعد اعتراف قمة الرباط عام 1974 بمنظمة التحرير ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني، وتصاعد الإرادة الفلسطينية المطالبة بقرارها الوطني المستقل.
كان فكّ الارتباط اعترافًا بحق الفلسطينيين في تمثيل أنفسهم وإقامة دولتهم، كما أسقط ذريعة «الوطن البديل» وأكد أن الضفة أرض فلسطينية. والمفارقة أن إسرائيل نفسها اعترفت عام 1993 بمنظمة التحرير ممثلًا للشعب الفلسطيني، فتبنت المبدأ الذي احترمه الأردن قبلها بخمس سنوات.
والأردن لم يفكّ ارتباطه بفلسطين؛ تشهد على ذلك تضحيات الجيش العربي في القدس وباب الواد واللطرون والكرامة، واستمرار الوصاية الهاشمية على المقدسات، ودعم صمود الفلسطينيين، ورفض التهجير والتوطين والاستيطان.
وهكذا يبدو الرد الإسرائيلي تطبيقًا للمثل العربي القديم: «رمتني بدائها وانسلّت». فالدولة التي أبقت الاحتلال، ووسعت المستوطنات، وهدمت المنازل، وضربت بقرارات الأمم المتحدة عرض الحائط، تحاول اليوم محاكمة الأردن بقرار اتخذه دعمًا للهوية الوطنية الفلسطينية!
لكن الحجة الباطلة لا تصبح صحيحة برفع الصوت، ومن يعجز عن مواجهة الوقائع يلجأ إلى السخرية واستدعاء الماضي وقلب الاتهام على الآخرين. فالظالم قد يمتلك القوة، لكنه لا يمتلك بالضرورة حجة تصمد أمام التاريخ والقانون وضمير العالم.
وقد تجسد ذلك عندما صعد بنيامين نتنياهو إلى منبر الأمم المتحدة، فانسحب عدد كبير من ممثلي الدول من القاعة. لم يكن ذلك مجرد احتجاج بروتوكولي، بل رسالة سياسية وأخلاقية واضحة: إن الرواية التي تتجاهل دماء الضحايا وحقائق الاحتلال لم تعد تجد آذانًا صاغية. وكأن المنسحبين قالوا له قبل أن يسمعوا خطابه: كلامك مردود عليك؛ لأن أفعالك سبقت كلماتك وكشفتها.
لقد أصاب خطاب الملك موضع الألم، ووضع إسرائيل أمام المرآة التي تحاول تجنبها: احتلال مستمر، واستيطان متوسع، وقرارات دولية بلا تنفيذ.
وقبل أن تقول إسرائيل للأردن: «أخبرنا المزيد عن القانون الدولي»، عليها أن تخبر العالم أولًا: ماذا فعلت بقرارات 194 و242 و338 و446 و465 و476 و478 و2334؟
والجواب واضح: خالفت مضامينها، وتنصّلت من تنفيذها، وضربت بها عرض الحائط.
ومن كان سجله مثقلًا بكل ذلك، لا يملك أن يحاكم الآخرين بقانون يطالبهم باحترامه، ثم يستبيح هو أحكامه.