فلسفة "الانتباه" في خطاب الملك: وثيقة تاريخية تُفكّك رواية الاحتلال وتوقظ الضمير العالمي
مجد جلال عباسي
25-09-2026 12:34 PM
بينما يغرق العالم في سيل متسارع من الأحداث، استوقفنا جلالة الملك في خطابه التاريخي الأخير أمام ظاهرة تبدو في ظاهرها علمية بحتة، لكنها في جوهرها سلاح جيوسياسي بالغ الخطورة: "مدة الانتباه" (Span of Attention).
لقد لخص الملك أزمة عالمنا المعاصر حين أشار إلى تراجع انتباه الفرد إلى 47 ثانية فقط، جاعلاً من هذه الفكرة الفلسفية العميقة حجر الزاوية لخطاب استثنائي، شجاع، وغير مسبوق، يستحق بجدارة أن يُدرّس في كبرى جامعات العالم كنموذج للتحليل السياسي والأخلاقي العميق.
من خلال عدسة "الانتباه"، شرّح جلالته كيف تستغل إسرائيل هذا التشتت العالمي لتمرير أبشع الانتهاكات وتجاوز كل الحدود الأخلاقية والإنسانية والقانونية. فالاحتلال يراهن اليوم على قصر ذاكرة المجتمع الدولي وانشغاله المستمر، ليفرض واقعاً دموياً في غزة والضفة الغربية. لقد بيّن الخطاب بوضوح كيف تُحوّل إسرائيل المؤقت إلى دائم متكئةً على تراجع انتباه العالم؛ فعمليات التهجير القسري، وقتل آلاف الأطفال، وتدمير المستشفيات والبنى التحتية، ليست سوى جرائم حرب مكتملة الأركان تُرتكب بينما تنظر الكاميرات إلى اتجاه آخر.
بكلمات حازمة لا تقبل التأويل، فكّك جلالته الرواية الإسرائيلية وأسقط ذرائعها، موضحاً أن إسرائيل لم تعد تسأل حتى "هل يمكننا الإفلات من العقاب؟"، بل هي تعول على غياب انتباهنا المستدام لتمحو الوجود الفلسطيني وتتوسع في انتهاكاتها لتطال دولاً أخرى في المنطقة. وعندما حاولت تشتيت انتباه العالم بتصوير الصراع كحرب دينية، كان الخطاب حاسماً في إعادة توجيه البوصلة: إنه صراع حول حقوق الإنسان والعدالة.
وفي وجه هذا التقاعس العالمي، يقف الأردن بعين لا تنام وانتباه لا يتشتت. أكد الخطاب أن الأردن سيبقى عصياً، يراقب ويحمي حدوده وأمنه ومياهه بشراسة، ويحمل أمانة الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس بشرف وثبات، رافضاً أن يصبح الظلم والاحتلال أمراً مألوفاً.