الملك حذّر… فمن يحمي الحقيقة؟
مأمون المساد
27-09-2026 12:12 AM
آن الاوان أن ندرك اليوم أن المعركة لم تعد على الأرض وحدها، بل إن المعركة على الرواية أيضاً وهنا تحديداً لا يجوز للإعلام العربي أن يتأخر.
خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة لم يكن مجرد خطاب دبلوماسي، ولا موقفاً أردنياً يُسجَّل في محضر الجمعية العامة ثم ينتهي بانتهاء الجلسة، بل كان جرس إنذار، إنذارا للعالم بأن الضفة الغربية تقف أمام خطر متصاعد، وأن ما يجري على الأرض ليس أحداثاً متفرقة يمكن عزلها عن بعضها، بل وقائع تتراكم وتغير شكل المكان وحياة الإنسان ومستقبل الدولة الفلسطينية.
الأمم المتحدة نفسها وثقت خلال عام 2026 أكثر من 1,430 حادثة مرتبطة بعنف المستوطنين في الضفة، أثرت في نحو 260 تجمعاً فلسطينياً، فيما بلغ عدد الفلسطينيين الذين تعرضوا للتهجير بسبب عنف المستوطنين والهدم والإخلاء نحو 3,800 شخص حتى العاشر من آب.
هذه ليست أرقاماً، هذه حياة بشر، وهذه ليست أخباراً عابرة، هذه وقائع تصنع التاريخ، لذلك فإن مسؤولية الإعلام تبدأ من هنا، لا يكفي أن ننقل خطاب الملك، يجب أن نجعل العالم يسمعه مرة أخرى بالصورة، والوثيقة، والشهادة، والخريطة، والرقم.
لا يكفي أن نقول إن هناك اعتداءات، علينا أن نوثق أين وقعت، ومتى وقعت، ومن تضرر منها وماذا تقول عنها المؤسسات الدولية، لا يكفي أن نرد على الرواية الإسرائيلية، علينا أن نبني رواية الحقيقة، وهنا تصبح كل شاشة، كل صحيفة، كل إذاعة، كل موقع إخباري، كل كاميرا، كل هاتف محمول، وكل منصة من منصات التواصل الاجتماعي جبهة إعلامية.
نحتاج إلى إعلام لا ينتظر الحدث، إعلام يلاحق الحدث، ولا ينتظر الرواية، إعلام يصنع حضور الحقيقة، ولا يكتفي بالغضب، إعلام يوثق، فأقوى رد على التضليل ليس تضليلاً مضاداً، أقوى رد هو الدليل، فصورة موثقة أقوى من عشرات البيانات، وخريطة تشرح التوسع الاستيطاني أقوى من عشرات الشعارات، ووثيقة دولية يمكن التحقق منها أقوى من ألف منشور، وهذه هي نقطة القوة التي يجب أن نبني عليها.
لا نريد إعلاماً غاضباً فقط، نريد إعلاماً لا يستطيع أحد إسقاط مصداقيته، إعلاماً عربياً يتحدث إلى العالم بلغاته، إعلاماً يترجم الوثيقة، ويشرح القانون، ويعرض الصورة، ويضع الأرقام أمام الجمهور، ويستعين بالصحافة الاستقصائية والخرائط الرقمية والذكاء الاصطناعي وأدوات التحقق من الصور والفيديوهات، إعلاماً لا يترك فراغاً تستطيع الرواية الأخرى أن تملأه.
الحقيقة التي يجب أن ندركها أن الفراغ الإعلامي ليس حياداً، حين تغيب أنت عن القصة، سيكتبها غيرك، وحين لا تعرض صورتك، ستُعرض صورة غيرك، وحين لا توثق الحقيقة، ستأتي رواية أخرى لتقول للعالم: لم يحدث شيء، وهذا تحديداً ما يجب ألا يحدث.
لقد قالت الأمم المتحدة إن وتيرة عنف المستوطنين في الضفة وصلت إلى أعلى مستويات مستمرة سجلتها المنظمة، وإن الاستيطان والهدم والإخلاء والتهجير ومصادرة الأراضي تقوض بصورة متزايدة إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة، فهل يجوز بعد ذلك أن نتعامل مع الضفة كخبر ثانوي؟ الاجابة، لا.
لقد طرح جلالة الملك عبدالله الثاني رسالة مهمة يجب على العالم وإعلامه أن ينتبه إليها، فهل يجوز أن نترك العالم ينشغل بأزمة، ثم ينسى أزمة، ثم يعتاد على أزمة، حتى تصبح المأساة جزءاً من المشهد اليومي؟ الاجابة، لا.
لأن الجريمة لا تصبح أقل خطراً عندما يتوقف العالم عن النظر إليها، والصمت لا يمحو الجريمة، والغفلة لا تلغي المسؤولية، والاعتياد لا يجعل الظلم طبيعياً، لهذا، فإن خطاب جلالة الملك يجب ألا يكون خاتمة، بل يجب أن يكون بداية، بداية لحملة إعلامية عربية واسعة، بداية لتوثيق يومي، بداية لمحتوى متعدد اللغات، بداية لإعلام يضع الضفة الغربية أمام الرأي العام العالمي، لا مرة واحدة، بل كل يوم.
بداية لإعلام يقول للعالم: هذه أرض، وهؤلاء أهلها، وهذه وقائعها، وهذه شهاداتها، وهذه وثائقها، وهذا ما يحدث عندما يصمت العالم، فالمعركة على الرواية ليست معركة كلام، إنها معركة ذاكرة ومن يخسر الرواية، قد يجد نفسه يوماً أمام واقع كُتب عنه كل شيء إلا الحقيقة.
لذلك: لا تتركوا الضفة وحدها، ولا تتركوا الحقيقة لهم.
Mamoounmassad0@gmail.com
الرأي