facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




فرنسا بين المسيحية و زيارة البابا


فيصل سلايطة
27-09-2026 12:56 PM

من الجميل أن نرى فرنسا، أو أوروبا بصورة أوسع، تعود ولو من خلال صورة واحدة إلى المشهد الإيماني المسيحي. فزيارة البابا ليون الرابع عشر إلى فرنسا اعادت إلى الاذهان شكل العلاقة.

واللافت في المشهد الفرنسي تحديدًا أن البابا لم يدخل إلى مجتمع مسيحي بالمعنى التقليدي للكلمة، بل إلى مجتمع علماني بدرجة كبيرة، تراجعت فيه الممارسة الدينية المسيحية خلال العقود الماضية، مع بقاء المسيحية حاضرة بقوة في التاريخ والثقافة والفن والعمارة والذاكرة الأوروبية. ومع ذلك، حملت الزيارة مشهدا مختلفا ، حشود في باريس، وصلاة في نوتردام، وقداس في مكان عام، ولقاء مع الشباب، وظهور واضح للرمز المسيحي في واحدة من أكثر العواصم الأوروبية ارتباطًا بمشروع الحداثة والعلمانية.

لكن السؤال ليس: هل عاد البابا إلى باريس؟ بل: ماذا تعني عودة المشهد الديني إلى الفضاء العام؟ وهل هي عودة حقيقية للإيمان، أم عودة للصورة والرمز والطقس؟ وهل يعني امتلاء الساحات بالناس أن سلطة الكنيسة عادت إلى ما كانت عليه؟ أم أن المجتمع الأوروبي يستطيع أن يحتفي بالرمز المسيحي والتراث المسيحي، من دون أن يعيد بالضرورة بناء حياته الاجتماعية والسياسية على أساس ديني؟

هذه أسئلة تستحق أن تُطرح بعيدًا عن الاحتفال أو الرفض. فالحشود الكبيرة لا تكفي وحدها لقياس قوة الدين في المجتمع، كما أن تراجع عدد الممارسين دينيًا لا يعني بالضرورة اختفاء الأسئلة الروحية من الإنسان الأوروبي. والبابا نفسه تحدث خلال زيارته عن ظاهرة لافتة في فرنسا، تتمثل في وجود أشخاص بالغين يعودون إلى الإيمان ويطلبون أسرار الدخول في المسيحية، في وقت يعيش فيه المجتمع الفرنسي في بيئة علمانية واضحة.

من هنا يمكن النظر إلى زيارة ليون الرابع عشر باعتبارها اختبارًا للعلاقة الجديدة بين أوروبا والمسيحية، وليس باعتبارها مجرد استعادة لمشهد قديم. أوروبا الحديثة لم تعد أوروبا التي كانت فيها الكنيسة المؤسسة الأكثر تأثيرًا في التعليم والسياسة والمجتمع والثقافة. الدولة الحديثة فصلت بين السلطات، ووضعت القانون المدني فوق الانتماء الديني، وأصبحت المواطنة أساس العلاقة بين الفرد والدولة. وهذا التطور لا ينبغي النظر إليه بالضرورة باعتباره عداوة للدين، كما لا ينبغي أن يُفهم حضور الدين في المجتمع باعتباره محاولة لاستعادة سلطة سياسية فقدت مكانها.

المشكلة تبدأ عندما تختلط السلطات ببعضها. فالدين يستطيع أن يكون قوة أخلاقية وروحية واجتماعية كبيرة، لكنه لا يحتاج لكي يكون مؤثرًا إلى امتلاك السلطة السياسية. والكنيسة تستطيع أن تقدم رؤيتها للإنسان والأسرة والعدالة والسلام والكرامة و الجنس، لكن تقديم هذه الرؤية شيء، وتحويل المؤسسة الدينية إلى سلطة سياسية تتحكم في خيارات الناس شيء آخر.

وبالمقابل، فإن الدولة الحديثة حين تفصل الدين عن مؤسساتها السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى خصم للإيمان أو إلى مشروع لإقصاء الدين من المجال العام.

الفصل بين السلطات الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لا يعني الفصل بين الإنسان وإيمانه. يمكن للإنسان أن يكون مؤمنًا ومواطنًا في الوقت نفسه، وأن يمارس عبادته ويحترم القانون، وأن يحمل قناعات دينية عميقة من دون أن يفرضها على الآخرين. ويمكن للدولة أن تكون علمانية في مؤسساتها من دون أن تكون معادية للدين، كما يمكن للمؤسسة الدينية أن تكون قوية أخلاقيًا من دون أن تكون صاحبة قرار سياسي.

وهنا تبرز مسألة أكثر أهمية، وهي العلاقة بين الإيمان والعلم. ليس من الضروري أن يكون المختبر في مواجهة الكنيسة، ولا أن تكون التحليلات العلمية في مواجهة التفكير الديني. العلم يبحث في كيفية حدوث الأشياء، بينما يطرح الإيمان أسئلة تتعلق بالمعنى والقيمة والغاية. وحين يحاول أحدهما إلغاء الآخر، يبدأ الخلل. المختبر لا يحتاج إلى إلغاء الإيمان لكي يكتشف، والمؤمن لا يحتاج إلى إغلاق المختبر لكي يحافظ على إيمانه.

والتاريخ نفسه يقدم نماذج كثيرة لعلماء ومفكرين جمعوا بين البحث العلمي والإيمان، كما أن المؤسسات المسيحية نفسها ساهمت تاريخيًا في التعليم وإنشاء الجامعات وتطوير المعرفة. وفي خطابه أمام السلطات الفرنسية، شدد الباب على أن تاريخ فرنسا عرف علماء ومفكرين كانوا أيضًا مؤمنين، وأن العلوم والفنون والفلسفة يمكن أن تسهم في خدمة الإنسان إلى جانب الإيمان.

وهذا ربما هو أحد الاختبارات الحقيقية أمام الدين في القرن الحادي والعشرين: هل يستطيع أن يدخل إلى العصر الحديث من دون خوف منه؟ وهل يستطيع أن يتعامل مع الاكتشافات العلمية الجديدة باعتبارها أسئلة تحتاج إلى فهم وتأمل، لا باعتبارها تهديدًا يجب رفضه مسبقًا؟ وفي المقابل، هل يستطيع الخطاب العلمي الحديث أن يعترف بأن الإنسان ليس مجرد مجموعة من البيانات والعمليات البيولوجية، وأن الأسئلة المتعلقة بالمعنى والقيمة والأخلاق لا تختفي بمجرد تقدم العلم؟

لا ينبغي أن يكون هناك تعارض بين المعمل والإيمان، ولا بين الجامعة والكنيسة، ولا بين التفكير النقدي والروحانية. الخلاف الحقيقي يجب أن يكون مع الجهل، سواء جاء الجهل في ثوب ديني أو في ثوب علمي. فكما أن الدين لا ينبغي أن يستخدم لمقاومة حقيقة علمية مثبتة، فإن العلم لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإثبات أن كل ما لا يمكن قياسه في المختبر لا قيمة له.

لكن عودة الصورة المسيحية إلى باريس يجب ألا تجعلنا نخلط بين عودة الرمز وعودة السلطة. قد تملأ الجموع الساحات، وقد تعود الصلوات إلى أماكن تاريخية، وقد تصبح زيارة البابا حدثًا عالميًا، ومع ذلك يبقى السؤال الأعمق متعلقًا بما يحدث داخل الإنسان بعد انتهاء المراسم. هل يصبح أكثر التزامًا بقيمة الإنسان؟ أكثر احترامًا للآخر؟ أكثر استعدادًا لخدمة الفقير؟ أكثر تمسكًا بالصدق والعدل؟ أم أن الأمر ينتهي عند الصورة، والاحتفال، والتغطية الإعلامية؟

ربما تكون قوة الكنيسة في المستقبل مرتبطة بقدرتها على الإجابة عن هذه الأسئلة أكثر من ارتباطها بحجم سلطتها السياسية. فالكنيسة التي تريد أن تكون مؤثرة في أوروبا الحديثة لن تستطيع أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، لكنها تستطيع أن تقدم خطابًا دينيًا قادرًا على الحوار مع الإنسان الحديث، ومع الجامعة، والمختبر، والفن، والفلسفة، وحقوق الإنسان، والدولة المدنية، والتعددية الدينية والفكرية.

وفي المقابل، فإن أوروبا التي تريد حماية مكتسباتها العلمانية والديمقراطية لا تحتاج إلى محو جذورها المسيحية. يمكنها أن تعترف بتاريخها الديني والثقافي، وأن تسمح للكنائس والمؤسسات الدينية بأن تؤدي دورها الاجتماعي والروحي، مع الحفاظ على استقلال الدولة والقانون عن أي مؤسسة دينية. فالدولة التي تحمي حرية الدين تحمي في الوقت نفسه حرية عدم التدين، وهذه إحدى أهم نتائج الفصل بين السلطات.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :