خطاب الملك في الأمم المتحدة: إنذار مبكر بتحول في معادلة الأمن الإقليمي
د. احمد خلف مساعدة
27-09-2026 06:14 PM
جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي في لحظة إقليمية شديدة الدقة، ليس فقط بسبب استمرار المأساة الفلسطينية، وإنما لأن الشرق الأوسط نفسه يمر بمرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى التي حكمته خلال السنوات الماضية.
ولذلك، فإن قراءة الخطاب باعتباره موقفاً أردنياً آخر من غزة والضفة الغربية، على مركزية القضية الفلسطينية فيه، لا تكفي لفهم كامل الرسالة التي حملها الملك من نيويورك.
فالخطاب بدأ من فلسطين، لكنه لم يتوقف عندها انتقل من غزة والضفة الغربية وانتقائية تطبيق القانون الدولي، إلى نقطة ربما تكون الأكثر ارتباطاً بالأمن الوطني الأردني مباشرة سوريا والحدود الشمالية والمياه، والتحول المحتمل في طبيعة التهديد الإقليمي.
قال جلالة الملك بوضوح إن «الأطماع التوسعية لهذه الحكومة الإسرائيلية باتت تهديداً إقليمياً»، وإن سوريا أصبحت «إنذاراً يختار المجتمع الدولي ألا يعيره انتباها»، متحدثاً عن توغلات وفرض حقائق جديدة على الأرض، منها ما يمس مصادر مائية حيوية. ثم وضع المسألة مباشرة في إطار الأمن الوطني الأردني: أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي».
هذه العبارات تستحق أن تقرأ خارج إطار السجال السياسي التقليدي بين الأردن وإسرائيل.
خلال العقدين الماضيين، تشكل جانب مهم من التفكير الاستراتيجي الإقليمي حول تمدد النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ثم حول خطر التنظيمات الإرهابية والفوضى التي رافقت إضعاف مؤسسات بعض الدول العربية. أما اليوم، فقد تغير المشهد تراجع النفوذ الإيراني، ولا سيما بعد الحرب عليه، وسقط نظام الأسد، وبرز سؤال جديد : من يملأ الفراغ الناشئ في الإقليم، وبأي شكل؟
هذه المسألة تحديداً التقطتها أوساط إعلامية وتحليلية داخل إسرائيل، ومن أبرزها تحليل لافت للمحلل الإسرائيلي سيث فرانتزمان في صحيفة Jerusalem Post عقب خطاب الملك رأى فيه أن الانتقاد الأردني هذه المرة يختلف عن الانتقادات المعتادة المتعلقة بغزة أو الضفة الغربية، لأنه أصبح متعلقاً بـ «الاستراتيجية الإقليمية». كما وضع مواقف الأردن، إلى جانب السعودية ومصر وتركيا، ضمن قلق أوسع من أن تتحرك إسرائيل لملء الفراغ الناتج عن تراجع إيران وتغير المشهد السوري. وهذه بطبيعة الحال قراءة تحليلية وليست موقفاً رسمياً جامعاً لهذه الدول، لكنها جديرة بالتوقف عندها.
لكن المسألة قد تكون أعمق من مجرد تغير نظرة دول المنطقة إلى إسرائيل. فما نشهده اليوم من سياسات إسرائيلية توسعية واستخدام متزايد للقوة خارج حدودها يمكن قراءته كمؤشر على سعي إسرائيل إلى شغل جانب من الفراغ الاستراتيجي الذي نشأ بعد تراجع النفوذ الإيراني وسقوط نظام الأسد وانحسار نفوذ القوى المرتبطة بطهران في عدد من ساحات المنطقة.
والمفارقة الاستراتيجية هنا تستحق التوقف عندها . فقد كان التمدد الإيراني خلال السنوات الماضية أحد أهم مصادر اختلال منظومة الأمن الإقليمي : نفوذ عابر للحدود، وأذرع مسلحة، وتدخل في الدول الأضعف، والاستفادة من الفراغات التي يتركها ضعف الدولة الوطنية. أما الخشية اليوم فهي أن يؤدي انحسار ذلك المشروع، بدلاً من إعادة بناء توازن إقليمي قائم على سيادة الدول واستقرارها، إلى صعود مشروع قوة آخر يسعى بدوره إلى ملء الفراغ وفرض وقائع جديدة بالقوة.
فإذا سلكت إسرائيل هذا الطريق، فإنها تخاطر بأن تشغل في معادلة الأمن الإقليمي الموقع ذاته الذي شغلته إيران سابقاً : قوة تسعى إلى توسيع مجال نفوذها مستفيدة من ضعف الدول المحيطة، فتتحول من طرف كان ينظر إليه لدى بعض دول المنطقة كشريك محتمل في مواجهة الخطر الإيراني، إلى مصدر رئيسي جديد لاختلال التوازن والقلق الإقليمي، بل وإلى جوهر المشكلة التي تهدد منظومة الأمن الإقليمي مستقبلاً.
وهذه ليست مسألة نظرية بالنسبة إلى الأردن. فالحديث هنا يمس مباشرة جوهر المصالح الوطنية والقومية الأردنية: استقرار سوريا ووحدة أراضيها، أمن الحدود الشمالية، الأمن المائي، استقرار الضفة الغربية، ومنع قيام فراغات أمنية أو مناطق نفوذ جديدة على تخوم المملكة.
بالنسبة للأردن، لا مصلحة في سوريا ضعيفة أو مفككة، ولا في فراغ أمني دائم على حدوده الشمالية. لقد دفع الأردن كلفة كبيرة لسنوات عدم الاستقرار السوري : اللاجئون، وتهريب المخدرات والسلاح، والشبكات المرتبطة بميليشيات وقوى خارجية، ومخاطر الجريمة المنظمة والتطرف. ولذلك فإن وجود دولة سورية مستقرة وموحدة وقادرة على بسط سيادتها على أراضيها ليس موقفاً أيديولوجياً أردنياً، وإنما مصلحة وطنية مباشرة.
وهنا يظهر تباين مهم في النظرة إلى الجنوب السوري. فبينما ينظر الأردن إلى استقرار الجنوب واستعادة الدولة السورية قدرتها على إدارة أراضيها باعتبارهما عاملين أساسيين لأمن حدوده، تسعى إسرائيل إلى ترتيبات أمنية مختلفة، من بينها إبقاء مناطق في الجنوب منزوعة السلاح، وقد تدخلت عسكرياً داخل سوريا. والسؤال الأعمق هنا هو : هل يقوم الأمن الإقليمي المستدام على دول مستقرة وقادرة على ممارسة سيادتها، أم على بقاء الدول المحيطة ضعيفة ومجزأة؟
ومن هنا تكتسب عبارة الملك بأن الأردن لن يشيح بنظره» معناها الاستراتيجي الكامل. فالأردن الذي رفض سابقاً أن تتحول حدوده ومحيطه إلى ساحة لنفوذ إيران وميليشياتها، لا يمكن أن يكون معنياً باستبدال نفوذ إقليمي مهيمن بآخر، أياً كانت هويته. مصلحة الأردن ليست في استبدال إيران بإسرائيل في معادلة الهيمنة الإقليمية، وإنما في قيام إقليم مستقر تحكمه دول ذات سيادة، وحدود مصانة، وقواعد دولية تطبق على الجميع.
وهنا تكتسب الرسالة الأردنية وزناً إضافياً. فالأردن ليس دولة بنت سياستها خلال العقود الثلاثة الماضية على مواجهة إسرائيل. المملكة دولة سلام منذ عام ۱۹۹٤ ، وحافظت على المعاهدة رغم أزمات شديدة، وتمسكت بحل الدولتين، وبنت علاقاتها الدولية على الاعتدال والشراكة الوثيقة مع الولايات المتحدة وأوروبا. ولهذا، حين تحذر دولة سلام من أن سلوك إسرائيل بات يمس أمنها الوطني، ينبغي ألا يقرأ ذلك باعتباره مجرد امتداد للموقف العربي التقليدي من الصراع.
أما إشارة الملك إلى المياه فتنقل المسألة من الجيوسياسة إلى صميم المصلحة الوطنية. فالمياه بالنسبة إلى الأردن ليست ملفاً تفاوضياً ثانوياً، وأي تغيير في البيئة الجغرافية أو الأمنية المحيطة بمصادرها يصبحمسألة أمن قومي. ولذلك جاء تأكيد الملك أن الأردن لن يشيح بنظره بعد تحديد واضح للحدود والمياه ومصالح الشعب الأردني.
ومع ذلك، فإن قراءة البعد السوري والإقليمي للخطاب لا تعني فصل سوريا عن فلسطين، بل العكس. فالملك بنى خطابه على فكرة مترابطة: أن المجتمع الدولي اعتاد التعامل مع وقائع كان يفترض أنها مؤقتة، حتى أصبحت سياسة دائمة وما جرى في غزة والضفة يبين خطورة السماح بفرض الوقائع على الأرض ثم التعامل معها بعد أن تصبح أمراً واقعاً.
وهنا تكمن قوة البناء السياسي للخطاب التحذير من أن المنهج الذي سمح العالم بترسخه في فلسطين قد لا يبقى محصوراً في فلسطين. وربما يكون أحد المؤشرات المهمة على وصول هذه الرسالة أن تحليلاً إسرائيلياً للخطاب لم يقرأه باعتباره خطاباً آخر حول فلسطين، وإنما باعتباره تعبيراً عن تحول أوسع في ميزان القوى في الشرق الأوسط.
ومن هنا، فإن سوريا ليست خروجاً عن القضية الفلسطينية في خطاب الملك، وإنما إنذار بأن ما سمح العالم بحدوثه في فلسطين قد تكون له تداعيات تتجاوز فلسطين.
الأردن متمسك بالسلام، لكنه لا يساوي بين السلام والصمت ومصلحته ليست في انتقال مركز الهيمنة الإقليمية من طهران إلى تل أبيب، بل في قيام شرق أوسط لا يحتاج أصلاً إلى قوة مهيمنة: دول مستقرة ذات سيادة، وفلسطين قابلة للحياة، وسوريا موحدة، وحدود مصانة، وقانون دولي يطبق على الجميع.
ومن هنا كان تحذير الملك من نيويورك: الأردن لن يشيح بنظره عندما يصبح اختلال التوازن الإقليمي مساساً مباشراً بأمنه ومياهه ومصالح شعبه والوقت المناسب لمنع اختلال جديد في معادلة الأمن الإقليمي هو قبل أن يتحول، مرة أخرى، من واقع مؤقت إلى واقع دائم.