الأرض والمسكن والإنسان في خطاب الملك
أ.د سلطان المعاني
28-09-2026 08:37 AM
أعاد جلالة الملك عبدالله الثاني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الثاني والعشرين من أيلول ٢٠٢٦، قضية فلسطين إلى الواجهة: شعبٌ له أرض وبيوت وحق في أن يعيش آمنًا ويقرر مصيره. بدأ من سؤالٍ يواجه المجتمع الدولي منذ عقود: كيف تحولت الانتهاكات التي قيل إنها مؤقتة إلى واقع دائم، ثم إلى سياسة تُنفّذ على الأرض؟ تكشف هذه النقلة أثر الزمن حين يُترك المعتدي يغيّر المكان خطوةً بعد أخرى، بينما ينشغل العالم بإدارة الأزمة وانتظار تسوية تتضاءل شروطها كل يوم.
وصف الملك التدمير المتواصل في غزة، والهجمات على البنية المدنية، ودفع الفلسطينيين إلى العيش في مساحة تضيق عليهم. ورأى في هذه الأفعال محاولةً لمحو الحياة الفلسطينية وفرض واقع إقليمي جديد. يضع هذا الوصف الإنسان في قلب المشهد، فحين يُدمَّر البيت، يفقد ساكنه موضع نومه ومائدة أسرته وصور من سبقوه؛ وحين تُدمَّر مرافق الحياة، يصبح البقاء نفسه عملًا شاقًا يتكرر مع كل صباح. تختزن كلمة التدمير أشياء كثيرة، لكن أثرها يقع على أناسٍ يحمل كل واحد منهم اسمًا وذاكرةً وحقًا في الغد.
أما في الضفة الغربية، فقد تتبّع الخطاب وجوه الاعتداء التي تتراكم على الأرض والمسكن والناس. تحدّث الملك عن أسرٍ تُدفع إلى مغادرة أراضيها، وبيوتٍ تُحرق أو تُهدم، وممتلكاتٍ تُدمّر، وعن عنفٍ يتعرض له الفلسطينيون في حياتهم اليومية. وربط ذلك بالاستيلاء على الأراضي وتوسيع المستوطنات وشبكة الحواجز التي تقيّد حركة السكان. تبدو هذه الأفعال متفرقةً إذا نُظر إلى كل حادثة وحدها؛ غير أن اجتماعها يكشف، كما قال الملك، سياسةً تدفع شعبًا كاملًا إلى الرحيل والتهجير القسري.
توقف الخطاب طويلًا عند الأسماء التي تُمنح لهذه الأفعال. فهدم البيوت لتوسيع المستوطنات لا يتبدل أثره على أصحابها إذا وُضع تحت عنوان إنفاذ القانون، والاستيلاء على الأرض المحتلة لا يصبح شأنًا إداريًا بتسميته تسجيلًا للأراضي. من يملك القدرة على تسمية الفعل يملك، أحيانًا، القدرة على تخفيف وقعه في أسماع الآخرين. لذلك طالب الملك برؤية ما يحدث في الضفة على حقيقته؛ فوضوح اللغة أول الطريق إلى وضوح الموقف.
جمع الملك غزة والضفة الغربية في قراءة واحدة للمستقبل الفلسطيني. تختلف وسيلة فرض الواقع في كل منهما؛ يتقدم التدمير في غزة، ويتقدم الضم الفعلي والتوسع الاستيطاني في الضفة. وتلتقي النتيجتان عند تهديد إمكان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. فحق تقرير المصير يحتاج إلى أرضٍ يستطيع الشعب أن يقيم عليها دولته، وإلى ناسٍ يستطيعون البقاء فيها، وإلى حياةٍ تسمح لهم ببناء مؤسساتهم وبيوتهم من جديد.
وجّه الخطاب مساءلته إلى المجتمع الدولي أيضًا. ذكّر الملك بأن لديه أدواتٍ تتجاوز إصدار القرارات، منها العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزلة الدبلوماسية، وأن استعمال هذه الأدوات يبقى قرارًا سياسيًا. فالقانون الذي يعجز عن حماية البيت من الهدم، والأرض من المصادرة، والإنسان من التهجير، يفقد في أعين المتضررين قدرته على إنصافهم. وأعاد بذلك قضية فلسطين إلى امتحان العدالة الدولية: كيف تُصان الحقوق إذا عرف العالم ما يجري، ثم ترك الوقائع تتقدم؟
بقي معنى الخطاب متصلًا بالإنسان الذي يعيش على أرضه، ويعود إلى مسكنه، ويطمئن إلى أن له حقًا معترفًا به في الحاضر والمستقبل. من هنا جاءت دعوة الملك إلى استمرار الانتباه والفعل؛ فالأرض التي تتغير تحت أعين العالم، والبيوت التي يُخرج أهلها منها، تصنع كل يوم جوابًا عمليًا عن السؤال الذي ما زالت الأمم المتحدة تناقشه: أي مستقبل يُترك لفلسطين وأهلها؟