عالم بلا رجال دولة: حين يتقدم الذكاء الاصطناعي وتتراجع الرؤية الاستراتيجية
د. محمد حيدر محيلان
28-09-2026 09:25 AM
لم يعد غريبًا أن تعلن دولة كبرى قرارًا سياسيًا أو اقتصاديًا حاسمًا، ثم تعدّله أو تجمّده بعد أيام. فقد فُرضت رسوم جمركية مرتفعة على عشرات الدول، ثم عُلّق جانب كبير منها بعد اضطراب الأسواق. وهدد بعض القادة باستخدام القوة لحسم أزمات دولية، ثم عادوا إلى التفاوض عندما ظهرت كلفة التصعيد. وفي أوروبا، أُقرت أهداف بيئية متشددة، قبل تخفيف بعضها تحت ضغط المزارعين والصناعة وارتفاع كلفة المعيشة.
وليست مراجعة القرار عيبًا في ذاتها؛ فقد تكون دليلًا على المسؤولية عند ظهور معلومات جديدة، لكنها تتحول إلى تخبط عندما يتكرر التراجع بسبب استعجال الإعلان، وضعف الإعداد، وعدم تقدير ردود الفعل والنتائج الاقتصادية والسياسية.
هذا الاضطراب لا يعني أن الولايات المتحدة وأوروبا تفتقران إلى الخبراء ومراكز الدراسات، بل يكشف اتساع الفجوة بين المعرفة والقرار. فالسياسي المعاصر محاصر بالانتخابات، واستطلاعات الرأي، والأسواق، وجماعات المصالح، ومنصات التواصل ودورة الأخبار المتسارعة. لذلك أصبح بعض القادة يديرون ردود الأفعال بدلًا من أن يصنعوا المستقبل، ويهتمون بصورة القرار قبل اختبار واقعيته.
لقد عرف العالم شخصيات اختلفت في أفكارها ومواقفها، لكنها امتلكت القدرة على النظر إلى ما وراء اللحظة؛ فقد قرأ هنري كيسنجر توازنات القوة بمنظور استراتيجي، وقاد شارل ديغول فرنسا برؤية تحفظ استقلال قرارها، وبنى لي كوان يو نهضة سنغافورة بالتخطيط والانضباط، واختار نيلسون مانديلا المصالحة عندما كان الانتقام أكثر شعبية، وقاد الملك الحسين بن طلال بلدًا محدود الموارد وسط الحروب والاستقطابات، ووازن بين الضغوط العربية والدولية، وأسهم في ترسيخ استقرار الأردن وبناء مؤسساته في إقليم شديد الاضطراب.
ولم تكن أهمية هؤلاء في أنهم لم يخطئوا؛ فقد كانت لبعضهم قرارات مثيرة للجدل، وإنما في امتلاكهم تصورًا لما يريدون أن تصبح عليه دولهم بعد سنوات، لا بعد نشرة الأخبار التالية.
أما الذكاء الاصطناعي، فيستطيع تحليل آلاف الاحتمالات، وقياس اتجاهات الجمهور، ومحاكاة آثار العقوبات والحروب. لكنه لا يملك حكمة التاريخ، ولا الضمير الأخلاقي، ولا يتحمل مسؤولية الدماء والنتائج. والخطر ليس في استخدامه، بل في أن يستعين به سياسي يفتقر أصلًا إلى الرؤية، فيمنحه أرقامًا دقيقة لخدمة قرار خاطئ.
المشكلة إذن ليست أن الآلة أصبحت أذكى من السياسي، بل أن النظام السياسي بات يكافئ من يجيد الظهور أكثر ممن يحسن التفكير؛ فتراجعت أحيانًا مكانة المستشار الاستراتيجي أمام المستشار الإعلامي، وأصبحت شعبية القرار أهم من استدامته.
ولا تُعالج هذه الأزمة برفض التكنولوجيا، بل بإخضاع القرارات الكبرى لاختبار الأثر، والسيناريوهات المضادة، والمراجعة المستقلة قبل إعلانها. فالذكاء الاصطناعي يقدم البدائل، لكنه لا يحدد الغاية؛ وإذا فقد القائد بوصلة الحكمة، فلن تمنحه إياها أذكى الخوارزميات.