دول مجلس التعاون الخليجي: مقاربة مطلوبة؟!
أ.د أحمد بطَّاح
28-09-2026 10:55 AM
في ضوء نتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي نشبت لمدة (12) يوماً في عام 2025 وما زالت تتوالى فصولاً منذ 28/02 من العام الجاري لعلّ من المنطقي أنْ يفكر صُنّاع القرار في مجلس التعاون الخليجي وواضعو استراتيجياته في مقاربة جديدة تستدعيها ليس فقط نتائج الحرب الحالية ولكن أيضاً الأحداث التاريخية مع إيران، ومع العراق، ومع اليمن، ومع الولايات المتحدة، وهذه الأحداث المفصلية مع هذه الدول يمكن اجمالها على النحو الآتي:
أولاً: فيما يتعلق بإيران: كان شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي يُلقّب "بشرطي الخليج"، وكان يحاول فرض هيمنته على دول الخليج العربي وقد قام قبل خلعه باحتلال الجزر الإماراتية: طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى، وبعد تولي الجمهورية الإسلامية الإيرانية الحكم في عام 1979 لم تَسْلم دول الخليج العربي من الأذى الإيراني، ولولا التصدي العراقي لإيران في الحرب التي دامت ثماني سنوات (1980 – 1988) لاجتاحت إيران هذه الدول بشكل أو بآخر أو على الأقل حاولت "تصدير الثورة" لها، أمّا في سياق الحرب الأمريكية الإيرانية الحالية فقد قصفت إيران كل دول الخليج العربي تقريباً ولم يقتصر قصفها على القواعد الأمريكية كما تدّعي بل تجاوزت ذلك إلى قصف مطارات (الكويت)، وبنية طاقة تحتية كرأس لفّان (قطر)، و"خط شرق غرب" النفطي (السعودية)، وذلك فضلاً عن الحيلولة دون تصدير النفط والغاز والأسمدة من هذه الدول العربية الخليجية عبر مضيق هرمز.
ثانياً: فيما يتعلق بالعراق: حاول الرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم (1958 – 1963) احتلال الكويت ولم يستطع لأسباب كثيرة معروفة الأمر الذي قام به فعلاً الرئيس العراقي السابق صدام حسين في عام 1990، وذلك فضلاً عن أنّ علاقة العراق بدول مجلس التعاون الخليجي كان يشوبها التوتر تاريخياً وفي أغلب الأحوال وإن كان ذلك يتفاوت من دولة إلى أخرى.
ثالثاً: فيما يتعلق باليمن: أدّى استقلال اليمن عن بريطانيا في عام 1967 إلى نشوء دولة "اليمن الجنوبي" بحكم ماركسي، الأمر الذي تمخض عن صدام مكتوم ومُعلن أحياناً مع دول الخليج العربي (مع عُمان بالذات) بالنظر إلى اختلاف منهج الحكم اليساري المتطرف في اليمن الجنوبي مع الأنظمة الملكية المحافظة في دول الخليج العربي، وحتى علاقات جمهورية اليمن بعد وحدة شطري اليمن في عام (1990) بزعامة علي عبد الله صالح لم تكن في أحسن أحوالها في معظم الظروف، ولكنها أصبحت علاقة صراعية حقيقية مع السعودية بعد أن سيطر أنصار الله الحوثيون على الحكم في صنعاء (2014)، وقد دارت معارك شرسة بينهم وبين قوات التحالف الدولي بزعامة السعودية منذ ذلك الحين، وتمخضت آخر جولة صراع بين الحوثيين (يسيطرون على 20% من الأراضي اليمنية تشتمل على 70% من السكان) والحكومة اليمنية المُعترف بها دولياً (تسيطر على 80% من الأرض، وتشتمل على 30% من السكان) عن استيلاء الحوثيين على الساحل اليمني الغربي المُطل على البحر الأحمر، الذي ينتهي بالسيطرة على مضيق باب المندب (تمر منه 7% من تجارة النفط العالمية)، وإذا تذكرنا ارتباط مضيق باب المندب بمضيق هرمز (شبه المُغلق حالياً)، وكذلك بقناة السويس التي تربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط أدركنا حساسية المعركة الدائرة الآن بين الحوثيين في اليمن وبين السعودية، من الجدير بالذكر أن هؤلاء الحوثيين ضربوا قبل سنوات منشآت شركة "أرامكو" السعودية وتسبّبوا بأضرار كبيرة لها.
رابعاً: فيما يتعلق بالولايات المتحدة: لقد بنت الولايات المتحدة علاقات تحالفية مع دول الخليج العربي مع تدفق النفط منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وقد كانت المعادلة قائمة على أن دول الخليج العربي توفر الطاقة (نفط + غاز) للولايات المتحدة بأسعار معقولة مقابل توفير الولايات المتحدة الأمن للدول العربية الخليجية، غير أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى دلّت بوضوح على أن المظلة الأمنية الأمريكية ليست كافية فهي لم تضمن الحماية الكاملة لدول الخليج في مقابل الهجمات الإيرانية، ولم تضمن تدفق النفط والغاز من دول الخليج عبر مضيق هرمز بكل ما يعنيه ذلك من خسائر متراكمة.
إنّ كل ما سبق يستدعي طرح السؤال المنطقي الذي طرحناه في عنوان المقالة وهو: هل يمكن لدول الخليج العربي أن تبدأ بمقاربة جديدة قائمة على الطروحات الآتية التي قد تبدو مُستغربة وغير واقعية ولكنّها في الواقع مُمكنة وهي:
1. التفاهم مع إيران وإيجاد أرضية مشتركة قائمة على المصالح معها، وتوثيق ذلك من خلال معاهدة "شراكة وتعاون" أو معاهدة "عدم اعتداء" مُثمرة للأطراف كافة.
2. ضم العراق إلى مجلس التعاون الخليجي بخطوات تدريجية ومدروسة حيث إنه مُطل على الخليج ولديه طاقة بشرية مؤهلة وعمق حضاري لا يُنكر.
3. ضم اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي بنفس منهجية ضم العراق (أسلوب متدرج ومدروس) حيث أن اليمن دولة قريبة من الخليج ومُطلّة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتستطيع تزويد دول الخليج العربي بعمالة قديرة ورخيصة نسبياً.
4. إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة بحيث لا تكون الضامن الوحيد لأمن دول الخليج، بل إحدى القوى الضامنة الكبرى لهذا الأمن (من خلال تنويع الشراكات مع القوى الإقليمية المُهمة كمصر وتركيا وباكستان)، والقوى العالمية النافذة كالصين وروسيا.
هل هذا سيناريو خيالي؟ ربما ولكن إذا دققنا وتذكرنا أنّ السياسة هي "فن الممكن"، وأنها ليست مُسلّمات جامدة صالحة لكل زمان ومكان أدركنا أن مثل هذه المقاربة مُمكنة وهي تنهي الصراع في هذه المنطقة الحساسة إلى الأبد، وتستبدل أجواء الحرب والصراع والخسائر الهائلة بأجواء السلام والتعاون وبخاصة أنّ شعوب هذه المنطقة بينها مشتركات كثيرة: عقائدية، وتاريخية، ومصلحية، ولذا فإنّ المطلوب هو التركيز على هذه "المشتركات" وتوظيفها بالطرق المُفيدة الصحيحة، واستبعاد "المُفرِقات" التي تبدأ أحياناً كبيرة ومعقدة، ولكنها في الواقع صغيرة أمام الإرادة عندما تتوفر.